أنوار جامعية نيوز متابعة صفاء كندارة بنزرت

بنزرت: “يُحكى أن”… مهرجان يحتفي بفن الحكاية ويكرّم رموز المسرح
في أجواء فنية دافئة تنبض بالإبداع والحضور المسرحي الأصيل وتحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، انطلقت فعاليات الدورة الأولى من مهرجان “يُحكى أن” بتنظيم مشترك بين مركز الفنون الدرامية والركحية ببنزرت والفضاء الثقافي الخاص “البولفار”. تظاهرة ولدت من رحم الشغف بفن الحكي، لتُعيد للكلمة سلطانها فوق ركح المسرح، وتمنح الذاكرة المسرحية التونسية نَفَسًا جديدًا.
افتتاح واعد ورسائل مؤثرة
افتتحت فعاليات المهرجان بكلمة ألقتها مديرة مركز الفنون الدرامية والركحية ببنزرت، السيدة جميلة التليلي، عبرت من خلالها عن أهمية هذه التظاهرة في إعادة الاعتبار لفن الحكاية وتجديد صلته بجمهور عطِش إلى الكلمة الصادقة والتجربة الإنسانية. وجاء الافتتاح ليعلن عن دورة استثنائية، لا فقط من حيث البرمجة، بل من حيث الرمزية والدلالة.
تكريم رائد من رواد المسرح
كانت الفقرة التكريمية لحظة من لحظات العرفان والامتنان حيث تم الاحتفاء بمسيرة الفنان القدير لطفي التركي، أحد أبرز رموز المسرح في بنزرت وتونس. وقد تضمن التكريم عرضا وثائقيا بعنوان “حكاية فنان“، إضافة إلى معرض وثائقي ضم صورا لأبرز الأعمال المسرحية والتلفزية والسينمائية التي شارك فيها كممثل أو كمخرج. كما وثّقت تجربته الطويلة والتي امتدت لنحو نصف قرن، بين جمعية النهضة التمثيلية – التي يرأسها حاليًا – وجمعية المسرح الصغير، إلى جانب مساهماته في عدد من الجمعيات الثقافية والمؤسسات التربوية والاقتصادية والشركات المسرحية المحترفة. كان هذا التكريم اعترافًا مستحقًا برحلة فنية مثقلة بالعطاء والالتزام.
الموسيقى تحكي أيضًا
الموسيقى كانت حاضرة بدورها في هذا العرس الثقافي من خلال فقرة قدمها الفنان عادل بوعلاق بعنوان “الموسيقى تحكي“. عرضٌ مزج بين الكلمة واللحن، استعرض خلاله الفنان محطات من مسيرته الفنية والأكاديمية، في لحظة موسيقية حالمة كانت بمثابة استراحة للروح ومتنفسًا للوجدان.
الحكاية في قلب الركح
الركح احتضن أيضًا عرضًا حكواتيًا للفنانة دليلة المفتاحي بعنوان “السيدة المنوبية“. عرض استلهم من التراث الصوفي التونسي ومن سيرة واحدة من أبرز الرموز النسائية الشعبية. وقد تمكنت المفتاحي بأسلوبها الشيق والمشحون بالحس الإنساني من تقديم سرد درامي مؤثر يجمع بين الحكمة والوجدان.
عروض ثرية وتفاعل جماهيري
في اليوم الثاني، كان الجمهور على موعد مع عرض “الفزعة طلّت“ للفنان محمد العروسي الزبيدي، وهو عرض حكواتي زاوج بين روح الفكاهة والرسائل الإنسانية العميقة، في تفاعل مباشر وحيوي مع الجمهور.
أما اليوم الثالث، فقد خصّص لتقديم نتاج ورشة “فن الحكي“ التي أطرها الأستاذ حسن الأشهب، وشارك فيها مجموعة من الشباب المولعين بفن السرد. وقد شكل العرض الختامي تتويجًا لهذه التجربة التكوينية التفاعلية التي منحت المشاركين فرصة الوقوف على الخشبة وخوض غمار الحكاية بشغف وجرأة.
في اليوم ذاته، قُدم عرض “حكاية من نجع دريد“ للفنانة وحيدة الدريدي، وهي حكاية استلهمت روح الجنوب التونسي، ولامست مشاعر الجمهور من خلال التفاعل بين الحنين والأسطورة والخيال الشعبي، في لحظة مسرحية صادقة وأصيلة.
الكلمة تبعث الحياة هكذا أثبت مهرجان “يُحكى أن” في دورته الأولى أن فن الحكاية لا يزال حيًّا، قادرًا على النفاذ إلى القلوب والعقول، وعلى تجميع الناس حول الكلمة الصادقة والتجربة الإنسانية الدافئة. لقد كانت هذه التظاهرة أكثر من مجرد احتفال فني، بل تأسيسًا لثقافة الاعتراف بروّاد المسرح، وفسحةً للإبداع أمام الأجيال الجديدة، ومحطةً لاستعادة وهج الركح ووهج الكلمة.