أنوار جامعية نيوز حافظ الشتيوي تونس

حوار مع الكاتب التونسي على ميلود مترجم كتاب
“كليلة ودمنة” إلى الفرنسية.
يصنف كتاب كليلة ودمنة هو واحد من أقدم وأشهر كتب التراث الأدبي العالمي، وأصله هندي قديم تُرجم إلى الفارسية فالعربية، وهو كتاب يجمع بين الحكمة والأمثال والقصص الرمزية على ألسنة الحيوانات.
وضعه الفيلسوف الهندي بيدبا في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد، وقدمه ملك الهند دبشليم كان الهدف منه النصح والإرشاد السياسي والأخلاقي من خلال قصص حيوانات ترمز إلى البشر.
تُرجم من الهندية (السنسكريتية) إلى الفهلوية (الفارسية القديمة) بأمر الملك كسرى أنوشروان (القرن السادس الميلادي) ثم قام عبد الله بن المقفع (الكاتب والمفكر الفارسي الذي اعتنق الإسلام) بترجمته إلى العربية في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، وأضاف إليه مقدمة وبعض الفصول.
وقد كان لكتاب كليلة ودمنة تأثيرا كبيرا في أوروبا وخاصة في فرنسا، وقد تُرجم إلى الفرنسية مرات عديدة منذ القرن السابع عشر. أشهرها ترجمة غِيُوم أنطوان دو غالان (Galland, 1646-1715)وهو أول من قدّم نصوصًا من كليلة ودمنة إلى القارئ الفرنسي في القرن السابع عشر ومعروف أيضًا بترجمته لـ ألف ليلة وليلة. كذلك ترجمة المستشرق الفرنسي سيلفستر دو ساسي (Silvestre de Sacy, 1758-1838) والذي قدّم طبعة علمية وترجمات وشرحًا لغويًا ونقديًا لقصص كليلة ودمنة وقد كانت لهذه الترجمات وغيرها دورا كبيرا في إلهام لافونتين (La Fontaine) في حكاياته الشعرية


آخر الترجمات من العربية إلى الفرنسية هي للكاتب التونسي المقيم بفرنسا وتحديدا بمدينة ميلوز الأستاذ “علي ميلود” وقد سبق وان حدثني عن هذه التجربة الثرية الأستاذ والإعلامي المقيم بفرنسا سالم العقربي الذي اكد لي بان ترجمة الحكايات انطلقت منذ 1999 ولكن حكاياته ظلت حبيسة الرفوف إلى غاية 2025 حيث كشف له الأستاذ علي عن فحواها فشجعه على نشرها وذلل له الصعاب بالاتصال بعديد الأصدقاء بتونس فكانت النتيجة طبعة أنيقة تحتوى على 250 صفحة متضمنة 33 حكاية مترجمة بطريقة سلسلة دون تعقيد لغوي وبمفردات لغوية مبسطة لجميع الاعمار وانتهزت الفرصة زيارة الأستاذ علي ميلود إلى تونس لزيارة الأهل والأحباب فالتقينا وكان لنا معه هذا اللقاء :
في البداية اهنئك على هذا المولود الجديد كتاب كليلة ودمنة والذي يعتبر حدثا أدبيا كبيرا يثري مكتبة الآداب الفرنسية والإنسانية بصورة عامة وقبل البداية لو تقدم نفسك للجمهور التونسي والعربي بصفة عامة من هو علي ميلود ؟
علي ميلود مواطن تونسي مقيم بميلوز درست بالمدارس والمعاهد العمومية التونسية هاجرت إلى فرنسا في سن مبكرة وتحديدا سنة 1970 بغاية تحسين الوضع المادي للعائلة وكانت التجربة صعبة في البداية ولكن والحمد لله تمكنت من الاندماج في المجتمع الفرنسي حيث وجدت الافاق مفتوحة وسبل التعلم متاحة فانخرطت في المجتمع المدني والتنشيط الاجتماعي ثم تخصصت في عالم الطفل حيث انطلت في سلسلة من البرامج التكوينية لفائدة أبناء الجاليات العربية على المستوى اللغوي والفكري والديني وحاولت بقدر المستطاع مساعدتهم على المحافظة على الهوية العربية من حيث التكوين والتأطير وتوفير المناهج والحكايات والقصص المستوحاة من الأجدب العربي والتونسي
ما هي أهم الأنشطة الاجتماعية التي ساهمت فيها ؟
بحكم اشتغالي مع الجمعيات الفرنسية ذات الطابع الإنساني وبحكم لقاءاتي بالاولياء كنت اسعى للاطلاع على عديد الكتب والمراجع واحضر الاجتماعات مع الأوليات ونشطاء المجتمع المدني وكنت اقترح عديد الأفكار والمشاريع التي نفذ أغلبها وقد كانت أغلب نشاطي مرتكز مع مؤسسة دار المواطنة العالمية بميلوز maison de la citoyenneté mondial de Mulhouse وهي مؤسسة تهدف إلى تعزيز المواطنة العالمية والتضامن على مستويات محلية وعالمية وتعمل على تعزيز التعبير والتحرر الطاقي والتحفيزي من أجل بروز خيال جماعي جديد وتعبر المؤسسة عن فلسفتها بعبارة: “نتعلم أن نستفيد من تنوعنا لنكتشف تشابهاتنا“
وقد قمت معها بعديد الأنشطة في العمل المدني والمواطنة النشطة من بينها تنظيم لقاءات، منتديات مواطنة، ونقاشات تسمح بالتفاعل وتبادل الأفكار المشاركة في شبكات مثل “Citoyens du Monde” وRITIMO لتعزيز الرسالة العالمية ، كذلك في ظل أنشطة المجتمع المدني وفلسفة العيش المشترك قمنا بدعم الأشخاص في الإجراءات اليومية كالمساعدة في الأوراق الإدارية، والدعم في البحث عن عمل، والسكن كذلك التواصل عبر لقاءات ومناسبات مثل وجبات مشتركة لتشجيع الحوار وتبادل الخبرات هذا على المستوى المحلي أم على المستوى الدولي فقت شاركت في عديد المشاريع الدولية الإنسانية
وكيف انطلقت فكرة الترجمة والكتابة من العربية إلى الفرنسة ؟
بحكم اللقاءات المتكررة مع الأطفال والتلاميذ اقترح علي أقدم حصة شفاهية للأطفال ففكرت في اقتباس بعض الحكايات وترجمتها من العربية الى الفرنسية وكنت شخصيا مغرما بكتاب كليلة ودمنة حتى أنى كنت محتفظا بنسخة قديمة جدا من هذا الأثر الأدبي وهو الذي اعتمدته في الترجمة
وقد وجدت في كتاب كليلة ودمنة عديد القصص التي تتفرع منها قصصا فرعية وثانوية تتضمن أفكارا وحكما ونصائح لجميع الفئات العمرية عن طريق حكايات تروى على لسان الحيوانات .
وكانت الانطلاقة سنة 1999 تقريبا حيث شجعتني العائلة وخاصة اولادي على الترجمة حتى أن إحدى بناتي طلبت مني ترجمة قصة معينة لتعطيها لمعلمها قصد مفاجئته بها ولتفتخر بان والدها هو مترجمها ثم اقترحي علي وابنتي الأخرى بان نمسرحها ونخلق للشخصيات أزياء حتى أن ابنتي الكبرى شجعتني بان ترسم الأحداث والشخصيات بحكم ولها بالفن التشكيلي وقالت لي بالحرف الواحد ” أنت تكتب وانا ارسم “
وفعلا انطلقت المغامرة بأن انتقيت أجمل الحكايات التي تتضمن صورا شعرية جميلة وقد أقدمها بشكل دوري وكان الاطفال يستمتعون بسماعها وكذلك يستفاد منها الكبار .
يعني منذ 1999 وانت تترجم وتروي الحكايات باللغة الفرنسية دون ان تفكر في نشرها في كتاب ؟
فعلا فبالرغم من أنه أصبح لدي مجموعة كبرى من الحكايات المترجمة إلا أني لم استطع نشرها باعتبار التكلفة لأن دور النشر هنا لا تغامر بكتاب جديد قد لا يدر عليها أموالا وأما إذا كان على نفقتي الخاصة فهو مكلف جدا وبالتالي أصبحت الحكاية مؤجلة.
وكيف تحقق الحلم واجتزت العقبة بنجاح؟
سبق وقلت لك أن فكرة النشر كانت بالنسب لي بعيدة المنال والتزاماتي اليومية لا تجعلني أخطو هذه الخطوة إلى ان التقيت بالأستاذ و الإعلامي الملهم سالم العقربي المقيم بميلوز واطلعته على فحوى القصص المترجمة فاعجب بالفكرة وبالمشروع وشجعني على النشر وسهل لي الخطوات الأولى في الاختيارات والتنظيم والتبويب ثم انطلقت في عملية المراجعة اللغوية مع الاستاذين الجامعيين تياري ميغات وزوجته .
وإثر الانتهاء من المراجعة النهائية اقترح علي الأستاذ سالم فكرة النشر بتونس وفعلا تم الاتصال بالشاعرة والأديبة التونسية الكبيرة سلوى الرابحي زوجة الأديب والفنان التشكيلي سمير البياتي صاحب دار البياتي للنشر واتفقنا على جميع التفاصيل وكانت احلى مفاجئة يوم تسلمت أول نسخة لي من الكتاب
وما هو شعورك آنذاك وأنت تتسلم مولودك الأدبي الأول بعد 25 سنة من الانتظار؟
لا أستطيع ان أصف لك شعوري بالسعادة والغبطة وبالفرح الطفولي الذي غمرني وأنا أتصفح عصارة جهدي واحسست اني بعد 25 سنة حققت انجاز هام في حياتي وأن تعبي لم يذهب سدى
كيف تصفح المقربون منك والمجتمع المدني والمحيطين بك أولى نسخ كتابك؟
لا أخفى عنك ان الكتاب حقق رواجا كبيرا بين الأهالي والأصدقاء والوسط الأدبي والإعلامي وبفضله أصبحت معروفا اكثر فاكثر سواء في فرنسا او بتونس خاصة وأني اخترت أجمل القصص منها الحمامة ومالك الحزين والثعلب والفيل والقنبرة وكذلك حكاية البوم والغربان وغيرها من القصص
يعتبر هذا الكتاب إنجاز ادبي مهم جدا فماهي خطتك للتعريف به اكثر فأكثر لتعميم الاستفادة منه؟
سأسعى حتما للتعريف بهذا الكتاب وبمحتواه عبر وسائل الاعلام المحلية والفرنسية والعربية وكذلك سيكون لي عديد اللقاءات بالمعاهد والمدارس والمكتبات والجمعات من أجل التعريف به وإجراءات سلسلة من اللقاءات مع رجال التعليم ليكون أحد الوسائل البيداغوجية لتعليم الناشئة
أخير هل تفكر في إعادة التجربة من خلال كتب أدبية عربية مماثلة أم ستكتفي هذا المولود فقط؟
لا اخفي عنك سرا بان هذا الكتاب فتح شهيتي لمزيد من الترجمة والتأليف والبحث في أمهات التراث العربي من أجل إنارة العقول والتعريف بالتراث العربي وإبراز غنى المدونة الفكرية والأدبية العربية من شعر ونثر وحكايات شعبية وتاريخ العربي ثري.



