أنوار جامعية بقلم الدكتور عبد الله صغير الغامدي السعودية

قراءة الدكتور عبد الله الغامدي في كتاب عيسى هِجرس ” السَّرايات… حين يتسلّل النص إلى القلب ”
ليس من السهل الإمساك بنصٍّ مثل «السَّرايات» لعيسى هِجرس؛ فهو لا يقدّم نفسه بوصفه حكاية تُروى، ولا مقالة تُقنع، بل تجربة شعورية تتسلّل إلى القارئ على مهل، كما يوحي عنوانه منذ الوهلة الأولى. نحن أمام كتابة تنحاز بوضوح إلى الوجدان، حيث يتراجع الحدث الخارجي لصالح تتبّع الأثر النفسي الخفي، ذلك الذي لا يُرى بقدر ما يُحَسّ.
يحمل عنوان الكتاب حمولة لغوية وتراثية، غير أنّ هِجرس يعيد إنتاجه في أفق معاصر، بوصفه مفهومًا شعوريًا يتجاوز دلالته المعجمية إلى فضاء رمزي رحب، تحضر فيه السرايات باعتبارها امتدادات للحزن، وذبذبات للذاكرة، وأسئلة داخلية لا تبحث عن إجابات بقدر ما تسعى إلى الاعتراف بوجودها. وبهذا المعنى، يصبح العنوان عتبة جمالية وتأويلية تمهّد لطبيعة النص ومساره.


يكتب هِجرس بنثر مكثّف واقتصادي، يخلو من الزخرفة البلاغية الصاخبة، ويراهن على الإيقاع الداخلي للجملة وعلى قدرتها الإيحائية. اللغة هنا لا تستعرض مهارتها، بل تمارس فعل التسلّل، متقدّمة بحذر ووعي، كأنها تحاكي فكرة السراية نفسها في سكونها وانسيابها. وقد يلحظ القارئ تكرارًا شعوريًا في بعض المقاطع، غير أنّ هذا التكرار يبدو جزءًا من بنية النص، وانعكاسًا لطبيعة الوجدان حين يدور حول ألمه وأسئلته.
ينتمي «السَّرايات» إلى النص المفتوح، حيث تتجاور المقاطع التأملية دون حبكة سردية أو تسلسل زمني صارم. لا يطلب النص من القارئ أن يتبعه، بل أن يقيم معه؛ أن يقرأ ببطء، وأن يسمح للأثر النفسي أن يتراكم. فالقيمة هنا ليست في ما يحدث، بل في ما يتركه النص من صدى داخلي، وفي قدرته على استدعاء تجارب القارئ الخاصة.
في سياق النثر الوجداني العربي الحديث، لا يسعى الكتاب إلى إعلان قطيعة شكلية أو إلى افتعال اختلاف، بل يقدّم كتابة هادئة، ناضجة، ومتّسقة مع مشروعها الفني. إنّه عمل لا يخاطب القارئ العابر، بل يراهن على قارئ شريك، يُصغي إلى النص كما يُصغي إلى نفسه، ويقبل الدخول في منطقة رمادية تتجاور فيها اللغة مع الصمت، والمعنى مع الشعور.
ليس «السَّرايات» كتابًا يُقرأ على عجل، بل تجربة تُعاش، وتُترك لتؤدي فعلها البطيء في الوعي، مؤكّدة أن بعض النصوص لا تُقاس بما تقول، بل بما تُحدثه في داخلنا.
د. عبدالله صغير الغامدي
كاتب سعودي وباحث نقدي