أنوار جامعية نيوز لطفي سعيد

بين قيض النهار ووهج الحياة تونس تعيش صيفها
لم تكن صيفية هذا العام كسابقاتها، لا من حيث التغييرات التي أحدثتها في المزاج العام، ولا من حيث الإيقاع الذي فرضته على الحياة اليومية للتونسيين.
فقد سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية، تزامنت مع انقطاعات متكررة في الماء والكهرباء، وهو ما ألقى بظلاله على الحياة اليومية وأفرز حالة من الاستياء في صفوف المواطنين غير أن اللافت للنظر أن هذه الظروف الاستثنائية لم تنجح في كسر عادات أصبحت تقاليد راسخة في حياة التونسيين، وفي مقدمتها الإقبال على مختلف الفعاليات الثقافية، كما لم تتمكن من إطفاء وهج الموسم السياحي الذي حافظ على حركته وحضوره رغم قسوة الطقس وتحدياته
السياحة… بحرٌ لا يهدأ وحركة لا تتوقف
حافظت الوجهات السياحية التونسية على حيويتها خلال شهر أوت. فطبرقة وبنزرت والحمامات وسوسة والمنستير والمهدية وجربة وغيرها من المدن الساحلية ظلت تستقطب المصطافين والزوار، في مشهد يجمع بين السياحة الداخلية وتوافد السياح وعودة أعداد مهمة من التونسيين المقيمين بالخارج. ولم يعد السائح يبحث عن البحر وحده؛ فالمدينة العتيقة، والمواقع الأثرية، والمطاعم، والأسواق التقليدية، والرحلات في المناطق الداخلية أصبحت جميعها جزءًا من التجربة السياحية.
وفي هذا المشهد الصيفي، تحولت تونس إلى فضاء مفتوح تتجاور فيه متعة الشاطئ مع اكتشاف التاريخ والعادات والمطبخ المحلي، بما يمنح الموسم السياحي أبعادًا تتجاوز الإقامة التقليدية في النزل. حين تتحول ليالي الصيف إلى مسارح مفتوحة
.. خصوصية شهر أوت لا تكمن في السياحة وحدها فهذا الشهر هو أيضًا موسم الثقافة بامتياز، حيث تتوزع المهرجانات والعروض الفنية على مختلف جهات البلاد. وفي قرطاج والحمامات وسوسة وصفاقس وغيرها، تتعانق الموسيقى والمسرح والفنون مع جمهور جاء بحثًا عن لحظة فرح في صيف طويل. كما تواصل المهرجانات المحلية، التي تقام في المدن والقرى، تقديم عروض تستمد جانبًا كبيرًا من خصوصيتها من التراث المحلي.
وفي القيروان، اكتست الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف طابعًا خاصًا، فامتزج البعد الديني بالثقافي والسياحي، واستعادت المدينة جزءًا من بريقها التاريخي باعتبارها واحدة من أبرز المدن الحضارية في تونس.
تونس تعيش صيفها قد تكون شمس أوت 2026 قد فرضت حضورها بقوة، وقد تكون درجات الحرارة قد دفعت الناس إلى تغيير عاداتهم اليومية، لكن الحياة لم تتوقف. على العكس، أعاد التونسيون ترتيب ساعات يومهم: صباحات أقرب إلى البحر، وفترات الظهيرة للراحة، وليالٍ تمتد فيها السهرات وتستعيد المدن حركتها.
وفي هذا الإيقاع الصيفي الخاص، بدت تونس قادرة على تحويل الحرارة من عائق إلى جزء من خصوصية موسمها. فحين تخف وطأة الشمس، تبدأ الحكاية الحقيقية: مقهى يعج بالرواد، عائلة تتجول في المدينة العتيقة، جمهور ينتظر بداية عرض فني، وسائح يكتشف شارعًا أو معلمًا لم يكن يعرفه. وربما هنا تكمن إحدى أجمل صور أوت في تونس: بلدٌ يعرف كيف يستقبل الصيف لا بالشمس وحدها، وإنما بما يصنعه الإنسان حولها من حركة وثقافة ولقاء وفرح..