فرنسا: بين ميلوز وستراسبورغ تتشكّل ملامح تجربة تربوية وثقافية لافتة يقودها الأستاذ الدكتور الحاج دحمان

أنوار جامعية نيوز سالم العقربي فرنسا

صاحب المقال سالم العقربي والدكتور الحاج دحمان

فرنسا: بين ميلوز وستراسبورغ تتشكّل ملامح تجربة تربوية وثقافية لافتة يقودها الأستاذ الدكتور الحاج دحمان

إذا كانت تجربة ميلوز تراهن على الحوار المباشر مع المبدعين، فإن جامعة ستراسبورغ تقدّم وجهًا مكملًا للمشروع من خلال وحدة «فنون وثقافة العالم العربي» بقسم الدراسات العربية، حيث يتخذ المسرح موقع القلب في العملية التعليمية .

يُختار نص مسرحي عربي معاصر، ثم يُحوَّل، بأيدي الطلبة وغالبهم من غير الناطقين بالعربية، إلى عرض مسرحي متكامل، مع الحرص على إشراك صاحب النص في متابعة التجربة، إما حضورًا في القاعة أو عن بعد، قبل فتح نقاش حول أبعادها الفنية واللغوية.

في12 ديسمبر 2025 وتحت إشراف الأستاذ الدكتور الحاج دحمان ، قدّم طلبة السنة الثانية عرضًا لمسرحية شعرية مستوحاة من قصائد الشاعر السعودي إبراهيم الجريفاني، حملت عنوان «الحب خلاص الكون». في هذا العمل الدرامي المؤلف من خمسة فصول، من بينها «مقهى النسيان» و«طقوس التيه والصعود»، خاض الطلبة تحدّي تحويل القصيدة إلى فعل مسرحي حي، لينقلوا أسئلة النص الوجودية بلغة حداثية تجمع بين حرارة الصورة الشعرية وحضور الجسد على الركح ويعتبر الشاعر إبراهيم الجريفاني، أحد الأصوات الشعرية المعبّرة عن راهن الكتابة العربية المعاصرة، وحضر في العرض من خلال سردية صور تمزج المجاز بالدهشة وبالقلق الوجودي، مستلهمة من مجموعته «الحب خلاص الكون» التي منحت العرض عنوانه وروحه.

هذا وتولت الإخراج الدكتورة بياتريس غوتيريز، فيما شارك الشاعر المسرحي المصري محمد سامي في صياغة السيناريو، مستفيدًا من خبرته في المسرح الشبابي بمدينة طنطا المصرية. هكذا التقت تجربة شعرية سعودية برؤية مسرحية مصرية داخل فضاء جامعي فرنسي، لتنتج عملاً هجينًا في جمالياته، عربي الروح، كوني الأسئلة.

 “الشعر المُدرَج “وتجريب أشكال الحداثة :

يقدّم هذا المشروع نفسه، للسنة الثالثة على التوالي، بوصفه ورشة في نوع أدبي يمكن نعته بحداثة معاصرة، يدمج السرد الشعري بالتعبير المسرحي ضمن ما يُعرف بـ«الشعر المُدرَج»؛ ممارسة تفاعلية تجمع الكلمة بالأداء والحركة. مسرحية «الحب خلاص الكون» التي قدّمها الطلبة جاءت في خمسة فصول، من بينها «مقهى النسيان» و«طقوس التيه والصعود»، لتصوغ رحلة إنسانية تتأرجح بين الحب والوجود والبحث عن المعنى. يشير الأستاذ دحمان إلى أن الطلبة خاضوا تحديًا حقيقيًا بتحويل القصيدة إلى فعل مسرحي حي، وأنهم «عاشوا» النصوص خلال التدريبات وشعروا بأنها تمثلهم وتحاكي أسئلتهم، وهو ما منح العرض بعدًا إنسانيًا لافتًا.​

من جهته، يوضح موقع جامعة ستراسبورغ أن المشروع يندرج في مقاربة بيداغوجية تروم تطوير مهارات العربية عبر الأداء والإلقاء، ونبرة الصوت، والعمل الجسدي، في ممارسة أدبية تجمع موسيقى الكلام بالتشكيل الحركي على الخشبة. بذلك يتحوّل درس اللغة إلى مختبر يجرب فيه الطلبة أدوات التعبير الشفوي والجسدي في آن واحد، ويكتشفون العربية بما فيها من موسيقى وإيقاع وإيحاء، لا بما فيها من قواعد فحسب.​

الدكتور الحاج دحمان : المسرح أداة ناجعة لفهم تحولات المجتمعات وأسئلتها

يبرز اسم الأستاذ الدكتور الحاج دحمان كواحد من الوجوه العربية اللامعة في مجالات الأدب المقارن والمسرح والتواصل بين الثقافات، إذ تنشغل أعماله بقضايا التعدد الثقافي والوساطة الثقافية والحوار بين الحضارات، مع اهتمام خاص بسؤال الالتزام في المسرح والسينما، وبالتداخل الحيوي بين الشرق والغرب.

بعد حصوله على الدكتوراه الأولى سنة 1988 من جامعة ستراسبورغ، عاد إلى الجزائر أستاذًا في قسم الأدب الفرنسي، يدرّس الأدب المقارن والمسرح، ويسهم في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين في الدراسات الأدبية والمسرحية.

 بين سنتي 1991 و1993 تولّى إدارة جامعة التعليم المستمر في مستغانم، حيث عمل على تطوير البرامج وتعزيز البحث العلمي والتكوين المستمر. ثم توّج مساره العلمي بدكتوراه ثانية سنة 2009 في الأدب العام والمقارن من جامعة الألزاس العليا، تحت إشراف الأستاذ بيتر شنايدر، بأطروحة حول الالتزام والاعتراض في المسرح الجزائري، قدّمت المسرح بوصفه فعل تواصل اجتماعي وسياسي وثقافي، لا مجرد ممارسة جمالية معزولة عن نبض الواقع.

يرى الأستاذ دحمان أن المسرح أحد أهم أشكال التعبير الثقافي والحوار الاجتماعي، وأنه أداة ناجعة لفهم تحولات المجتمعات وأسئلتها، خصوصًا في سياقات التعدد الثقافي.

 هذه القناعة لا تبقى حبيسة الرفوف الأكاديمية، بل تتجسد في مشاريع بيداغوجية حية توظف المسرح والأدب المعاصر في خدمة تعليم اللغات وترسيخ ثقافة الحوار بين الحضارات. ومن هنا تتشكل ملامح تجربة تربوية متميزة تمتد بين ميلوز وستراسبورغ، وتضع اللغة العربية في قلب المشهد الجامعي الأوروبي.

مقاربة حية لتعليم العربية وثقافتها:

في كلية الآداب واللغات والعلوم الإنسانية بمدينة ميلوز، يعتمد الأستاذ الحاج دحمان مقاربة تعليمية تفاعلية في تدريس اللغة العربية كمادة اختيارية، تجعل من الطالب شريكًا في بناء الدرس لا مجرد متلقٍ سلبي. يُدعى الطلبة إلى اختيار أسماء أدبية معاصرة تكتب بالعربية، ثم إعداد بحوث نقدية حول أعمالها وتقديمها شفهيًا أمام زملائهم، قبل الانتقال إلى مرحلة الحوار المباشر مع الكاتب أو الشاعر عبر الوسائط الرقمية. بهذه الطريقة، يتحول النص إلى نقطة انطلاق لحوار حي بين مؤلفه وجمهور جامعي أوروبي يقترب من العربية عبر أسئلته وملاحظاته.

من بين الأسماء التي استضافتها هذه التجربة: المسرحية والكاتبة السعودية ملحة عبد الله، والكاتبة المغربية زهور قرام، والروائي الكويتي طالب الرفاعي، والكاتب التشادي محمد جدي حسن، والشاعرة القطرية سميرة عبيد، والشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري، والشاعر السعودي إبراهيم الجريفاني. لا يقتصر الأمر على التعريف بهذه الأصوات، بل يتجاوز ذلك إلى تعميق وعي الطلبة بتعدد خريطة الكتابة العربية اليوم، وتنوّع جغرافيتها ورهاناتها الجمالية والفكرية.

وقد بلغ هذا المسار ذروته حين فاجأ الأستاذ الحاج دحمان طلبته بحضور الشاعرة القطرية سميرة عبيد شخصيًا إلى الكلية، في لقاء حضوري أزال المسافة بين النص وصاحبه، وبين الكاتب وجمهوره الجديد. في تلك الحصة، تحوّل الدرس إلى احتفالية معرفية، حيث قرأت الشاعرة نصوصها، وفتحت قلبها لتجربتها الإبداعية، ووزعت إصداراتها مرفوقة بإهداءات شخصية للطلبة. كان ذلك مشهدًا دالًا على قيمة التماس المباشر بين المبدع والفضاء الأكاديمي، وعلى قدرة الشعر على إشعال شغف التعلّم حين يخرج من الكتب إلى الحياة.

جسور حية بين الضفتين:

ما يتشكّل بين ميلوز وستراسبورغ ليس مجرد سلسلة من العروض المسرحية أو اللقاءات الأدبية، بل هو نموذج لجامعة أوروبية تحتضن الأدب العربي المعاصر وتمنحه فضاءً حيًا للتجلي. اللغة العربية، في هذا السياق، لا تظهر كعِبء تعليمي بل كطاقة إبداعية، وكجسر حضاري يربط بين ضفتين طالما جمعت بينهما الهجرة والتاريخ المشترك وأسئلة الهوية.

من خلال هذا العمل المتواصل، يساهم الأستاذ الدكتور الحاج دحمان في إعادة تعريف موقع العربية داخل الفضاء الجامعي الغربي، باعتبارها لغة قادرة على إنتاج المعنى ومساءلة العالم والانفتاح على الآخر. هكذا يرسم، مع طلبته ومع كتّاب وشعراء من السعودية والمغرب والكويت وتونس وقطر وتشاد ومصر والجزائر، ممرًا دافئًا للحوار الثقافي، يجد فيه النص العربي حياة جديدة على خشبة أوروبية، ويجد فيه الطالب الأوروبي مرآة أخرى لأسئلته الإنسانية، حيث تتجاور اللغة بالتجربة، والمعرفة بالإبداع، والتعلّم بالمتعة الجمالية.

 L-univers

L-univers

Journal électronique traitant des affaires étudiantes, de la vie universitaire, des services universitaires et des activités communautaires

Shopping Basket