أنوار جامعية نيوز كتب سالم العقربي من فرنسا

قراءة لديوان “أمَا كانَ أجدى بكِ الانتظارُ قليلا” للشاعر محمد الهادي الجزيري ويظلّ الصدق الموجع أسمى أشكال الجمال
كنتُ أتصفّح «فايسبوك» حين مرّت أمامي صورة لبعض الأصدقاء، فأيقظت في داخلي ذكرى نشاطٍ جمعنا ذات حنين. كان الحوار قد بدأ بإرسال صورة لأمسية شعرية تعود إلى نحو سبع سنوات، بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، موجّهة إلى الشاعر الصديق محمد الهادي الجزيري.

بعد السؤال عن الحال والأحوال، ودردشةٍ خفيفة، أرسل إليّ قائلاً: أهديك نسخة إلكترونية من مجموعتي الجديدة، أرجو أن تنال إعجابك.
أخي العزيز محمد الهادي، شكرًا لك على هذه الهدية الثمينة، التي تحمل بين سطورها روحًا وشجنًا وجمالًا خاصًا. حين قرأت مجموعتك الشعرية الجديدة، شعرتُ أنك لم تكتب كلماتٍ فحسب، بل نقلت تجربة إنسانية عميقة، يتحوّل فيها الألم إلى شعر، والحزن إلى تأمّلات تلامس القلب.
لقد أبكيتني حقًا بأبياتك، بعد أن لامستَ ما هو كامن في النفس من مشاعر، وجعلتني أشعر أننا جميعًا نتقاسم هذه الحياة، بأفراحها وأوجاعها.
“لا بدّ للأشياء أن تبقى تمامًا في مكانها” … عبارة واحدة تختزل عالمًا كاملًا من المعاني، وتذكّرنا بأن الذاكرة هي الملاذ الأخير لما فقدناه.
رحم الله موتى الناس جميعًا، فهم جزء من هذه الحياة التي تستمر رغم كل شيء. وكما تقول “لا أحد ولا شيء يوقف الحياة… تحيا الحياة”
ورغم مرارة الفقدان، يثبت إبداعك أن الحياة ماضية، وأن الفن هو الخالد، القادر على تحدّي الزمن. دمتَ شهمًا ونبيلًا، ومبدعًا يضيء الدرب لكثيرين بكلماتك الصادقة ومشاعرك الأصيلة.
أتمنى لك مزيدًا من الإبداع الذي يلامس القلوب ويترك أثرًا لا يُمحى.
حين يتحوّل الفقد إلى كتابة، والحداد إلى سؤال شعري مفتوح:
العنوان: أما كان أجدى بك الانتظار قليلا، المؤلف: محمد الهادي الجزيري، النوع: شعر
تاريخ النشر: نوفمبر 2025، الناشر: الأمينة للنشر والتوزيع

لا يُقدّم ديوان »أمَا كانَ أجدى بكِ الانتظارُ قليلاً» للشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري نفسه بوصفه منجزًا شعريًا يسعى إلى الإبهار الجمالي أو التجريب الشكلي، بقدر ما يطرح ذاته كشهادة إنسانية كُتبت تحت وطأة الفقد. إنّه ديوان يُقرأ كتجربة حداد طويلة تتجاوز الرثاء الفردي لتلامس أسئلة الوجود، والذاكرة، والمعنى، والحياة بعد الغياب.
العنوان نفسه يضع القارئ أمام سؤال لا ينتظر جوابًا، لأنه أقرب إلى لوم قدري موجّه إلى الغائبة والموت معًا. تتردّد العبارة «أما كان أجدى بكِ الانتظار قليلاً» في النصوص كنداء متكرّر يعبّر عن رفض الفقد واستحالة التقبّل، وكأنّ الكتابة صارت وسيلة لمواءمة الغياب، لا لتجاوزه. إنه ليس كتاباً للاطلاع السريع، بل تجربة حداد مكتوبة، تتطلّب من قارئها صبراً ومشاركة وجدانية.
ديوان يُقرأ كنَفَس واحد:
لا يقدّم محمد الهادي الجزيري هذا الديوان بوصفه منجزاً شعرياً يسعى إلى الإبهار الجمالي أو الاكتمال الشكلي، بل بوصفه شهادة إنسانية كُتبت تحت وطأة الفقد. لذلك لا تُقرأ قصائده منفصلة، بل تتجاور كأنها سجلّ حداد متواصل أو يوميات حزن تمتد على زمن الصدمة، حيث تتقدّم الحاجة إلى القول على الصنعة، ويغدو النص مساحة اعتراف أكثر منه بناءً شعرياً مغلقاً.
العنوان نفسه لا يعمل كاستفهام بلاغي، بل كلوم قدري موجّه إلى الغائبة والموت معاً. «أمَا كانَ أجدى بكِ الانتظارُ قليلاً» جملة تتردّد داخل الديوان بأشكال مختلفة، لا بوصفها لازمة فنية، بل بوصفها سؤالاً قهرياً لا يجد جواباً.
الفقد بوصفه محوراً وجودياً:
يشكّل الفقد العمود الفقري للديوان، لكنه لا يقتصر على رثاء الحبيبة أو الزوجة “سعيدة”، بل يمتدّ إلى الأم والوطن والمعنى نفسه. الألم الشخصي يتحوّل إلى نافذة للوعي الإنساني، حيث يصبح الفرديّ تعبيرًا عن الجَماعي، وتغدو مرارة الغياب سبيلاً إلى تأمل الحياة والموت والخلود.
القصائد تتوالى كأنها يوميات حداد كتبت في زمن الصدمة، تتّسع لتضمّ الغياب الشخصي والقلق السياسي في آن واحد. فقصائد مثل »واقف بين يديك» أو »أكتب الآن سعيدة» تعبّر عن حوار داخلي مأزوم مع الفقيدة، بينما تمتد نصوص أخرى إلى فضاء عربي مثقل بالحروب كغزة واليمن والعراق، حيث يتّسع الفقد إلى معنى جماعي.
الأشياء الصغيرة بوصفها ذاكرة:
ينجح الجزيري في تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى علامات شعرية للذاكرة: المطبخ، المسبحة، قارورة ماء الزهر، ترتيب الأواني، كلها تتحوّل إلى شواهد حضور. فالأشياء الصغيرة تكتسب في النص بعدًا طقوسيًا، وكأنها ما تبقّى من أثر الغائبة في العالم. هنا تقترب التجربة من شعر محمود درويش في مرحلته الأخيرة، حيث تُصاغ الكينونة من الهشاشة اليومية لا من الصور الكبرى.
الرموز في الديوان: المسبحة، البيت، الوردة، التراب، لا تُستخدم كزخارف بلاغية، بل كمفاتيح روحية وشعورية تعيد تشكيل العلاقة بين الذاكرة والحاضر. المسبحة تُستدعى كأثر للإيمان والحبّ، البيت يتحوّل من مأوى إلى ضريح، والوردة تلخّص هشاشة الوجود. هنا، تتحوّل الذاكرة إلى فعل مقاومة، وتغدو الأشياء بديلاً عن الجسد الغائب، ومخزناً لمعنى لا يريد الشاعر التفريط فيه.
البعد الديني والقلق الوجودي
يحضر الدين في الديوان كحوار قلق لا كيقين مريح؛ لا وعظ ولا طمأنينة نهائية، بل تساؤل متردّد حول الموت والعدالة والبعث. في نصوص مثل »واقف بين يديك»، يتقاطع الصوت الشعري بين الإيمان والاحتجاج، ويُطرح السؤال الديني بصدق إنساني خالٍ من التكلّف، هذا التوتر الإيماني يمنح العمل عمقاً إنسانياً، ويُبقي الأسئلة مفتوحة على القارئ.
اللغة والأسلوب
لغويًا، يعتمد الجزيري على لغة مشحونة بالعاطفة، ثرية بالصور الحسية الدقيقة، دون أن يتورّط في الزخرفة اللفظية. التكرار أداة بنائية لا بلاغية؛ يعكس دوران الشاعر حول الجرح ذاته، في محاولة لاستعادة المعنى عبر الإصرار عليه.
غير أنّ بعض النصوص تطول أكثر مما ينبغي وتفقد تماسكها بسبب التقطيع البصري أو الإطناب الشعوري، ما يجعلها أقرب إلى نحيب مكتوب منها إلى قصيدة مصقولة. ومع ذلك، يظلّ هذا العيب جزءًا من صدق التجربة، إذ كُتب الديوان في لحظة انفعال وجودي لا تحتمل التبرير الفني البارد..
الدارجة الشعرية: حين يبلغ النص ذروته
تُعدّ قصيدة »القصة المختصرة لحياة الوردة»، المكتوبة بالدارجة التونسية، من أنجح نصوص ديوان »أما كان أجدى بكِ الانتظار قليلاً». فهي تمثّل الذروة العاطفية للعمل، بنصّ مكثّف وصادق يخلو من التكلّف، ويؤكّد أن الشاعر يبلغ أقصى صدقه وقوّته حين يكتب بلغته اليومية، حين يكتب كما يتكلّم لا كما «يُفترض» أن يُكتب الشعر. هذا التداخل بين الفصحى والدارجة يمنح الديوان هوية محلية واضحة ودفئًا خاصًا، دون أن يفقد بعده الإنساني الكوني
في الختام:
موضوعيًا، نحن أمام ديوان صادق وعميق يعبّر بجرأة عن تجربة الفقد، رغم ما يعتريه أحيانًا من تكرار أو عدم انضباط فني كامل. أدبيًا، لا ينتمي هذا العمل إلى تيارات التجريب الشكلي، بل إلى شعر الشعور الكثيف والصدق الوجداني. نقديًا، يبدو أنه يحتاج إلى محرّر أدبي صارم أكثر مما يحتاج إلى شاعر آخر، لأن مادته الخام شديدة الغنى والحميمية.
لا يُقاس ديوان »أمَا كانَ أجدى بكِ الانتظارُ قليلاً» بمعايير الجمال التقليدي أو الاكتمال الفني، بل بقدرته على نقل الفقد كما هو — بارتباكه، وانكساره، وصدقه. إنّه ديوان يُحبّ أكثر مما يُتقن، يصرخ أكثر مما يُنقّح، لكنه لا يكذب.
وفي الشعر، كما في الحياة، يظلّ الصدق الموجع أسمى أشكال الجمال.
ويا لها من لحظة مرور صادقة… شكرًا للصورة، والذكرى، ولقاء ذات حنين بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة.
