أوتارٌ تعانق السحاب: ليلةُ استثنائية في افتتاح الدورة 53 لمهرجان المنستير الدولي

أنوار جامعية نيور حافظ الشتيوي

حافظ الشتيوي
حافظ الشتيوي

أوتارٌ تعانق السحاب: ليلةُ استثنائية في افتتاح الدورة 53 لمهرجان المنستير الدولي

لم تكن ليلة الاثنين، 20 جويلية 2026، مجرد ضربة بداية عادية للدورة الـ 53 من مهرجان المنستير الدولي؛ بل كانت إعلاناً عن موسمٍ يفيض بالحياة، انطلق من كرنفالٍ أبهج شوارع المدينة ليصل إلى ذروته في حفل استثنائي احتشدت فيه الجماهير تحت رعاية والي الجهة، ليزدان به ركح قصر الرباط التاريخي.

في ذلك الفضاء الذي يفوح بعقود من التاريخ، شهد الحضور لوحةً موسيقية ساحرة جمعت بين حداثة العزف وأصالة التراث، أبدع في رسم معالمها الفنان العالمي زياد الزواري عبر عرضه الباذخ “140 كمان”، بمشاركة وجدانية لافتة لـ “عوامرية سيدي عامر” (عوامرية الشيخ عليّة المقدم).

مشهدية بصرية وموسيقية غير مسبوقة

لأول مرة في تاريخ المسارح التونسية، التقت 140 كمنجة بحضور رجال العوامرية في تقاطع مدهش بين حيوية الأوتار ورهافة الإيقاع الروحي. أربعة أجيال تعاقبت على الركح ليصنعوا جمالاً خالصاً؛ 140 عازفاً، أصغرهم طفل في السابعة من عمره وأكبرهم شيخ يقارب الستين، حملوا 140 حلمًا وتبادلوها مع الجمهور الذي لم يكن مجرد متفرج، بل صار جزءاً لا يتجزأ من حرارة اللقاء ونسمات الفن التي بددت حرارة الصيف.

تجربة زياد الزواري: مشروع وطني بروح عالمية

يُعد عرض “100 كمان” (الذي تجسد هنا بـ 140 عازفاً) أحد أضخم المشاريع الموسيقية التي يقودها المؤلف وعازف الكمان التونسي زياد الزواري. وهو مشروع لم يولد من فراغ، بل جاء تتويجاً لرحلة فنية حافلة خاضها الزواري في كبرى المسارح العالمية، ليقرر نقل فلسفة العمل الجماعي المتكامل إلى أرض الوطن، مكملاً رغبته في تأسيس هيكل وطني مستدام يربط بين المواهب التونسية في مختلف الجهات والأقاليم.

رؤية تُجسّد الموهبة التونسية:

قامت استراتيجية الزواري على تقسيم العمل إقليمياً وتعيين “مؤطرين محترفين” لتأهيل وتدريب شبان وطلبة شغوفين، ليقف الجميع في نهاية المطاف كجسدٍ واحد يعزفون النوتة ذاتها في اللحظة ذاتها. إنها رسالة فنية وسياسية صامتة تؤكد أن “تونس لا تزال ولاّدة بالطاقات والمواهب المبدعة عبر الأجيال”.

عناق الأصالة والمعاصرة: بين الحداثة وروح “عليّة المقدم”

اكتمل سحر الليلة بالمسحة الروحية التي أضفتها الحضرة العوامرية، حيث لامست الإيقاعات شغاف الأرواح مباشرة. ولم تكن هذه المشاركة مجرد إضافة إيقاعية، بل حملت بعداً وجدانياً خاصاً كتحية وفاء لروح الشيخ عليّة المقدم، أحد أعلام الموسيقى التونسية الذي أسهم في ترسيخ الهوية الأصيلة. لقد جسد هذا الاندماج بين الكمان المعاصر والتراث الصوفي استمرارية التراث الموسيقي وتواصله الحقيقي بين الماضي والحاضر.

عن المبدع: زياد الزواري

ابن مدينة صفاقس (مولد 1983) والحاصل على الدكتوراه في الموسيقى من جامعة السوربون بباريس، يُعد زياد الزواري اليوم واحداً من أبرز القامات الموسيقية العربية والعالمية. يمزج باقتدار بين الموسيقى العربية والأندلسية والإفريقية والجاز والكتابة السيمفونية.

قدم عروضاً في أكثر من 60 دولة، وتعاون مع كبار فناني العالم في مشاريع سينمائية ومسرحية، مع مواصلة أبحاثه الأكاديمية لتوثيق التراث.و تُضاف تجربة “100 كمان” إلى سلسلة من مشاريعه المبتكرة مثل Electro Btaihi، و*”Maqâm Roads”، و“Made in Africa”*. أخيرا لقد كانت ليلة افتتاح مهرجان المنستير أكثر من مجرد حفل موسيقي؛ كانت وثيقة فنية تُثبت أن الموسيقى حين تُبنى على رؤية أكاديمية وشغف وطني، تستطيع أن تجمع الأجيال وتُعيد كتابة التراث بلغة عالمية لا تموت.

 L-univers

L-univers

Journal électronique traitant des affaires étudiantes, de la vie universitaire, des services universitaires et des activités communautaires

Shopping Basket