أرتميدا لمحمد الهادي الجزيري: حين يعيد الشاعر كتابة الأسطورة ويحوّل الحب إلى قصيدة.

أنوار جامعية نيوز سالم العقربي ميلوز

سالم العقربي

أرتميدا لمحمد الهادي الجزيري: حين يعيد الشاعر كتابة الأسطورة ويحوّل الحب إلى قصيدة

قراءة في قصيدة تستدعي أكتيون وأرتميدا لتكتب أسطورة أخرى عن الحب والطفولة والحرية واللغة.

ليست الأسطورة، في الشعر الحديث، حكايةً غابرةً يستعيدها الشاعر لمجرد الزينة أو الاستشهاد، وإنما قد تتحول إلى مادة حيّة يعيد تشكيلها في ضوء أسئلته ورؤيته للعالم. فعندما يدخل الشاعر فضاء الأسطورة، لا يعود بالضرورة إلى الماضي بقدر ما يستدعيه ليقول شيئًا عن حاضره، وينحت من خلاله عالمه الشعري الخاص، متماهيًا مع «الهنا والآن». وهكذا تغدو الأسطورة وسيلةً للحديث عن الذات والحب والحرية واللغة والموت والوجود، مثلما تصبح أداةً لإعادة اكتشاف العالم وإنتاج معنى جديد له.

من هذا المنظور يمكن قراءة قصيدة «أرتميدا «للشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري، وهي قصيدة تنتمي إلى مشروع شعري ظل، منذ تسعينات القرن الماضي، منشغلًا بمساءلة الذات والعالم واختبار إمكانات اللغة في بناء تجربة شعرية تتقاطع فيها الذاكرة والخيال والأسطورة. وقد تبلور هذا المشروع عبر مجموعات شعرية متعاقبة، من «زفرات الملك المخلوع (1994) « و«ليس لي ما أضيف» (2003) إلى «أرتمدا (2006)، ثم» لا شيء في مكانه (2009) « و«العاشق لا من يُنجده» (2012) و«يا… يا» (2013) و«نامت على ساقي الغزالة» (2014) ، وصولًا إلى »أما كان أجدى بك الانتظار قليلًا (2025) «

وفي مختلف هذه المحطات، ظل الجزيري وفيًا لكتابة تنفتح على التراث والأسطورة والذاكرة، من دون أن تتخلى عن أسئلة الراهن وقلق الذات.

وتأتي» أرتميدا «بوصفها إحدى المحطات اللافتة في هذا المسار؛ فهي قصيدة طويلة تستند إلى أسطورة أكتيون وأرتميدا الإغريقية، لكنها لا تكتفي باستعادتها أو إعادة سردها، بل سرعان ما تنفصل عن روايتها الموروثة لتشيّد عالمها الشعري الخاص. فالأسطورة هنا ليست نهاية الحكاية، بل عتبتها الأولى؛ إذ يتحول أكتيون من صياد أسطوري إلى ذات شاعرة تبحث عن معناها، فيما تتحول أرتميدا من ربّة للصيد إلى صورة شعرية مفتوحة على شبكة من الدلالات تتداخل فيها المرأة والحبيبة والطفولة والحرية والوطن والقصيدة.

ومن هنا تتحدد خصوصية تجربة الجزيري في «أرتميدا «فهو لا يستدعي الأسطورة بوصفها موروثًا جاهزًا، وإنما يعيد بناءها من داخل تجربته الشعرية، محوّلًا الحكاية القديمة إلى مادة يكتب بها أسطورته الشخصية. ولذلك لا يعود البحث عن أرتميدا بحثًا عن شخصية أسطورية فحسب، بل يغدو بحثًا عن الذات وعن معنى الحب والذاكرة والكتابة، في فضاء رمزي تتخذ فيه القصيدة شكل رحلة داخل «غابة الأسماء والأشياء «رحلة لا تنشد الوصول إلى جواب نهائي، بقدر ما تواصل اختبار حدود اللغة وقدرتها على تحويل التجربة الإنسانية إلى شعر.

«كذبوا عليّ» … حين يرفض الشاعر رواية الرواة:

تبدو عبارة «كذبوا عليّ» أكثر من مجرد جملة تتكرر في القصيدة؛ إنها مفتاحها الدلالي. فالشاعر يضع نفسه في مواجهة الرواية الجاهزة، وفي مواجهة الرواة والكتب والتقاليد التي استقرت حول الأسطورة. يقول:

«كذبوا عليّ

عمدًا أنا خلّفتهم في الظل

يقتسمون محصول المديح»

ومنذ هذه اللحظة يصبح النص عملية إعادة كتابة. أكتيون لم يدخل الغابة مصادفة، ولم يكن يبحث عن مكان بارد أو عن نبع ماء، كما تقول الرواية التي يعرفها الجميع. لقد كان يعرف وجهته، وكان يريد الوصول إلى أرتميدا. يقول بوضوح:

«عمدًا أنا صوّبت خطوي نحو كهفك

وانقضضت على بهائك بالنظر»

وهكذا تنتقل الأسطورة من المصادفة إلى القصد، ومن الصيد إلى العشق، ومن العقاب إلى الرغبة. واللافت أن الشاعر لا يكتفي بتلخيص الأسطورة، بل يسمّي جغرافيتها الأصلية حين يقول: «نفذت في أدغال كيثيرون وحدي»؛ فكيثيرون هو الجبل الذي دارت عليه حكاية أكتيون في المصادر الإغريقية. إنه يعرف خريطة الأسطورة جيدًا، لكنه يعيد رسم الطريق.

في الرواية القديمة، يكون النظر إلى أرتميدا سببًا في موت أكتيون. أما في قصيدة الجزيري، فإن الموت نفسه يعاد تعريفه؛ فهو ليس عقوبة فحسب، وإنما يصبح رغبة في الفناء داخل الحب والقصيدة:

«كي تكون على يديك نهايتي

أشهى وأبهى»

إنها إذن أسطورة أخرى، أسطورة شخصية يكتبها الشاعر من داخل تجربته.

أرتميدا: امرأة أم قصيدة أم وطن؟

أهم ما يميز أرتميدا في القصيدة أنها لا تستقر على معنى واحد فالشاعر لا يقدمها بوصفها شخصية مكتملة ونهائية وإنما يتركها مفتوحة على احتمالات متعددة:

«أربّة للصيد أنت؟

أم أنت أنثاي القديمة؟

أم جواب لم أجده عند أهلي؟

أم إله ضاع مني؟

أم بلادي؟»

هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابة مباشرة بقدر ما تكشف اتساع الرمز. أرتميدا هي الحبيبة، لكنها ليست الحبيبة وحدها؛ وهي الطفولة، والحرية، والوطن، والجواب المفقود، وربما الصورة التي يبحث الشاعر من خلالها عن ذاته. ويصل هذا التداخل إلى ذروته حين يقول:

«كوني أرتميدا: وحدة الرغبات والأنثى القصيدة»

هنا تذوب الحدود بين المرأة والنص فالمحبوبة ليست موضوعًا خارجيًا للقصيدة إنها تتشكل داخل الكتابة كما تتشكل الكتابة من خلال البحث عنها ولذلك تصبح أرتميدا في النهاية قصيدة تبحث عن جسد، وامرأة تبحث عن لغة، ولغة تبحث عن حياة.

في «غابة الأسماء والأشياء» … البحث عن معنى ضائع:

من أكثر الصور مركزية في القصيدة صورة «غابة الأسماء والأشياء». إنها ليست غابة جغرافية فقط وإنما فضاء رمزي يدخل إليه الشاعر بحثًا عن شيء لا يعرف اسمه تمامًا. يقول:

«أبحث عن مسمّى.. كم أحبّه

كم أتوق إلى عناقه

غير أني لا أعي بالضبط ما هو»

هذه الصورة تختصر أزمة القصيدة كلها تقريبًا: الشاعر يعرف أنه يبحث، لكنه لا يعرف بصورة نهائية عما يبحث. قد يكون ما يبحث عنه حريته، أو ثورته على القيود، أو حبيبته، أو طفولته، أو وطنه، أو اللغة التي يستطيع من خلالها أن يقول ما لم يستطع قوله من قبل. ولهذا لا يقدم النص معنى مغلقًا، بل يترك القارئ داخل الغابة نفسها، يبحث مع الشاعر. فالاسم لا يساوي الشيء دائمًا، والكلمة لا تستطيع أن تستنفد التجربة وكلما حاول الشاعر أن يسمي ما يريد، انفتح أمامه معنى جديد.

أرتميدا وطفولة لا تريد أن تكبر:

لا يكتفي الشاعر بالبحث عن الحب، بل يبحث عن طفولته البعيدة. يقول:

«كأنني في غابة الأسماء والأشياء

أبحث عن طفولتي البعيدة»

وتأتي صورة الطفلين والأرجوحة لتمنح القصيدة واحدة من أكثر لحظاتها حميمية:

«أنا أراه فلم نزل طفلين بعد

نطير في أرجوحة ونصيح من فرح وخوف»

الطفولة هنا ليست مجرد ذكرى عاطفية. إنها زمن تأسست فيه علاقة الشاعر بالعالم وبالحب والدهشة والخوف. ولذلك يحاول مقاومة الزمن بالذاكرة:

«لن تكبري ما دام بي هذا الحنين

ولن أصدّق أن هذا الأبيض المندسّ في صدغي شيبي»

ويزداد هذا العناد على الزمن وضوحًا حين نلاحظ الإحالة المتكررة إلى الأربعين في النص: «غرام الأربعين»، «خلاصة ما اشتهاه الطفل… ابن الأربعين». فالشاعر يعرف، بيولوجيًا، أنه جاوز الشباب، لكنه يرفض أن يوقّع على هذه المعرفة؛ ولذلك يظل الطفل والشيخ يتقاسمان الصوت نفسه داخل القصيدة. إن الحنين، في هذه اللحظة، يصبح وسيلة لمقاومة الزمن: فالشاعر لا يستطيع إيقاف الشيخوخة، لكنه يستطيع أن يمنع الطفولة من الموت داخل القصيدة. ولهذا تصبح أرتميدا حارسةً لطفولة لا يريد الشاعر أن يفقدها.

من «أنا» الفرد إلى «حشد من العشاق»:

لكن «أرتميدا» لا تبقى قصيدة عن تجربة شخصية مغلقة. شيئًا فشيئًا تتسع الأنا الشعرية حتى تتحول إلى أصوات كثيرة، وتتلخص هذه الحركة في عبارة موجزة يعتمدها الشاعر لازمةً متكررة: «لست ما أبدو». فالذات لا تقدم نفسها بوصفها شيئًا ثابتًا، وإنما كيانًا متحركًا متعددًا تتداخل فيه الذكريات والأصوات والتجارب. يقول الشاعر:

«لست ما أبدو

أنا كل الذين توغلوا في العشق والأحزان قبلي

والذين سينبعون من اليباب»

ثم يبلغ هذا الاتساع ذروته:

«أنا حشد من العشاق

ينتقلون عبر سلالة العشاق

من ذات إلى أخرى»

هنا لا يعود «أنا» ضميرًا فرديًا فقط إنه يصبح ذاكرة جماعية للعشاق والحزانى والغائبين ويستدعي الشاعر شخصيات متعددة: الراعي، والغازي، والشيخ الضرير، وزير النساء، والجار، والشرطي، والصعلوك، والمتسول، والرجل الثري، ونادل المقهى، والمراهق، والغريب. كل واحد من هؤلاء يمكن أن يكون وجهًا من وجوه الإنسان العاشق، أو احتمالًا من احتمالات الذات. ويصل هذا التعدد إلى أقصى مداه حين يقول:

«أنا جميع الجالسين وكل من مرّوا بمقهى

أي مقهى أنت فيه»

وبذلك تتحول التجربة الخاصة إلى تجربة إنسانية أوسع فالشاعر لا يقول «أنا» لكي يعزل نفسه عن الآخرين وإنما لكي يستدعيهم جميعًا، وتصبح أرتميدا مركزًا تلتقي عنده هذه الوجوه المتعددة. إنها ليست امرأة تخص شخصًا واحدًا بل صورة تختزن ذاكرة طويلة من العشق والفقد والحنين.

بين الحب والقيود والتمرّد:

الحب في «أرتميدا» ليس عاطفة هادئة أو علاقة رومانسية بسيطة إنه قوة تصطدم بالأهل والأغلال والسلطان والمحرمات. يقول الشاعر: «أو ثورتي الكبرى على أهلي وأغلالي العديدة»

ويقول أيضًا: «أحبك رغم ما بي

رغم أغلالي وأثقالي وأتعابي»

من هنا تتخذ أرتميدا بعدًا يتجاوز الحبيبة. إنها تمثل إمكانية الخروج من القيود، حتى وإن كان هذا الخروج محفوفًا بالألم والمخاطرة. ولهذا يجمع الشاعر فيها «محرمات الله والسلطان والموتى»، ويجعلها في الوقت نفسه حريته المحتملة. إنها المنطقة التي تلتقي فيها الرغبة بالمنع، والحب بالخوف، والخلق بالخطر.

«حرب المغول»: حين يصبح الحب منفى ومقاومة:

غير أن «أرتميدا» ليست قصيدة حب خالصة فتحت طبقة العشق تنتظر طبقة أخرى سياسية ووجودية. ففي قلب الاعتراف بالحب يفجّر الشاعر جملة تقلب الميزان كله: «أحبك رغم أنّي متّ يوم سقوط بغدادي»

ثم تتوالى إشارات «المغول» و«القبائل» في النص: «فكلّ من في الأرض ضدّ دمي النبيل / جميعهم ضدّي وأوّلهم أخي»، و«لن تكون نهايتي مُثلى على أيدي القبائل والمغول». وهنا يكتشف القارئ أن أرتميدا ليست الحبيبة وحدها، بل هي أيضًا «آخر قلعة في الأرض» في زمن تحوّل فيه العالم كله إلى «حرب مغول». فالشاعر لا يهرب من الحب إلى السياسة، بل يجعل من الحب نفسه موقفًا من بربرية العصر.

وتتجلى هذه الطبقة في أصرح صورها حين يقول:

«سأكتفي بالخلق في ملكوتيَ اللغويّ: منفاي الجميل

سأكتفي يا أرتميدا بالتمترس في القصيدة

موقعي الخلفيّ في حرب المغول»

فالقصيدة خندق خلفي في معركة، والمنفى «جميل» لأن الشاعر اختاره بدل أن يُقصى من عالم لا يعترف بدمه النبيل ولا بحزنه الجامح. وبذلك يتسع النص من حكاية عاشق إلى حكاية شاعر في زمن المغول، ويتحول الحب من عاطفة إلى شكل من أشكال المقاومة والبقاء.

الطبيعة لا تصف أرتميدا… بل تشارك في عشقها:

من الناحية التصويرية، تزخر القصيدة بصور تجعل الطبيعة شريكًا في التجربة العاطفية. أرتميدا تصبح:

«عشبة النبع القصيّة»، «رعشتي في جدول السنوات»، «وردتي في الريح»

وتتداخل في فضائها عناصر الماء والنهر والشمس والحجر والنسيم والغابة والنار. وفي مشهد الكهف خصوصًا، لا يبقى جسد أرتميدا منفصلًا عن الطبيعة؛ فالنهر والماء والشمس والحجر كلها تدخل في دائرة الرغبة. يقول الشاعر:

«كم حسدت النهر لمّا ضمّ قدّك

واختلى به في لحاف الماء»

حتى الحجر الذي ظل طويلًا في انتظارها يصبح جزءًا من الحكاية. بهذا تتحول الطبيعة من خلفية للمشهد إلى شخصية شعرية مشاركة. فالعالم كله يبدو وكأنه يشارك الشاعر دهشته أمام أرتميدا.

القصيدة وهي تكتب نفسها:

إذا كان الحب أحد موضوعات «أرتميدا»، فإن الكتابة نفسها هي موضوعها الأعمق. فالقصيدة لا تتحدث فقط عن امرأة يحبها الشاعر، بل عن امرأة يصنعها بالكلمات. يقول:

«امرأة تجلّت ذات ليل من كتابي»

هذه العبارة تكشف البعد الميتاشعري في النص: الشاعر يكتب عن الكتابة، ويصنع الشخصية التي يكتب عنها، ثم يكتشف أنها أصبحت أقوى من مجرد شخصية اخترعها. وفي موضع آخر يقول:

«أنت آخر فرصة للأبجدية كي تثور على السكون»

هنا تصبح أرتميدا امتحانًا للغة نفسها. هل تستطيع الكلمات أن تخلق حياة؟ هل تستطيع القصيدة أن تمنح ما هو متخيل وجودًا يتجاوز الورق؟ الشاعر يريد ذلك بشدة:

«أريد أن تتجسّد الكلمات حين أقولها»

لكنه يعرف في الوقت نفسه أن اللغة لها حدودها، وأن الكلمة لا تستطيع أن تتحول بصورة كاملة إلى حياة. ولهذا تأتي النهاية في شكل اعتراف شديد الدلالة:

«سأرضى مرة أخرى

بعجز المفردات عن الخروج من الكلام إلى الحياة»

إنها إحدى أهم مفارقات القصيدة: الشاعر يؤمن بقدرة الشعر على الخلق، لكنه يعرف عجزه عن تحويل اللغة إلى واقع كامل.

«كذبوا عليّ» و«أرتميدا»… موسيقى القصيدة:

لا تعتمد القصيدة على قافية واحدة تلازمها من أولها إلى آخرها، لكنها ليست نصًا بلا قافية؛ فهي تبني قوافي متغيرة تتجدد مع كل مقطع. فالمقطع الافتتاحي ينتظم في سلسلة الهاء الممدودة (القصيدهْ، البعيدهْ، النابحهْ، الشديدهْ، العنيدهْ)، ثم ينتقل الإيقاع في مقاطع أخرى إلى سلسلة الباء المشددة (الطيوبِ، الذنوبِ، الصليبِ)، وهكذا يظل النص ممسكًا في كل مقطع بخيط صوتي يربطه من داخله. وإلى جانب هذه القوافي المتغيرة، تبرز ثلاث عبارات بوصفها ركائز إيقاعية ودلالية في آن واحد: «أرتميدا.. أرتميدا» «كذبوا عليّ» «لست ما أبدو»

كل واحدة منها تؤدي وظيفة مختلفة: فـ«أرتميدا» اسم يتكرر كما لو كان لازمة إنشادية، يحمل الحب والحنين والرغبة. وأما «كذبوا عليّ» فهي تعيد فتح الصراع مع الرواية الموروثة في كل مرة. و«لست ما أبدو» تعيد القارئ إلى سؤال الهوية والذات. وهكذا لا يأتي التكرار لمجرد إحداث نغمة، وإنما يعمل على ربط القصيدة الطويلة بمحاورها الكبرى.

من الأسطورة إلى «الأسطورة الشخصية»:

تكمن خصوصية «أرتميدا» في أن الشاعر لا يستخدم الأسطورة كما هي، بل يحررها من شكلها الأصلي ويعيد إدخالها في تجربته. أكتيون القديم صياد يقع في المحظور فيعاقب بالموت؛ أما أكتيون الجزيري فهو عاشق يتعمد الذهاب إلى أرتميدا، ويعرف أنه يدخل منطقة الخطر، لكنه يختارها. وأرتميدا القديمة ربّة صيد تعاقب من يراها؛ أما أرتميدا الجديدة فهي امرأة تتشكل من الرغبة والذاكرة واللغة، وتصبح في الوقت نفسه قصيدة وحرية وطفولة ووطنًا. وبذلك تتحول الأسطورة العامة إلى أسطورة شخصية. وهذا التحول هو جوهر القصيدة: الشاعر لا يريد أن يعيد الحكاية القديمة، وإنما يريد أن يستخدمها لكي يكتب حكايته هو.

عندما يصبح الموت شكلًا آخر للحب:

في الأسطورة الأصلية، يموت أكتيون لأن عينيه رأتا ما لم يكن مسموحًا له أن يراه. أما في قصيدة الجزيري، فإن الشاعر يذهب أبعد من ذلك: إنه يريد أن يموت داخل ما رأى، وأن يجعل النهاية نفسها جزءًا من تجربة الحب والخلق. يقول:

«كي تكون على يديك نهايتي أبهى وأشهى» وهنا يتحول الموت من عقوبة إلى اختيار شعري، ومن نهاية مفروضة إلى رغبة في الاكتمال. لكن هذا الاكتمال لا يتحقق تمامًا؛ فالشاعر يظل في مواجهة اللغة، والقصيدة تظل مفتوحة، وأرتميدا تستمر في التشكل. وفي المشهد الأخير تقريبًا، يصبح الشاعر و«البدعة» التي خلقها وجهًا لوجه:

«ها إننا وجهًا لوجه

خالق قلق …

وبدعة مثلى تحدّق فيه»

ثم يصل إلى أقصى درجات الرغبة في تجاوز العقل: «تعبت من عقلي فضُمّيني إليك وبدّديه»

إنه يريد أن يخرج من حدود التفكير إلى العناق، ومن حدود اللغة إلى التجسد، ومن حدود المعنى إلى تجربة لا يستطيع العقل أن يستنفدها.

قوة الفيض الشعري وحدوده:

من الناحية الفنية، تمنح هذه الرؤية القصيدة طاقة تخييلية واضحة؛ فرمز أرتميدا غني ومفتوح، والصور الشعرية متتابعة، والانتقال بين الأسطورة والذاكرة والحب والكتابة يمنح النص تعددًا في مستويات القراءة، كما أن تكرار اللوازم الأساسية يساعد على المحافظة على خيط داخلي يربط المقاطع الطويلة. غير أن هذه الكثافة نفسها قد تجعل القراءة شاقة في بعض المواضع: فطول القصيدة وتراكم الصور والاستعارات وتدفق الاعترافات قد يدفع النص أحيانًا إلى فائض لغوي يثقل حركة القراءة، وبعض التكرارات تفقد شيئًا من قوتها حين لا تضيف دلالة جديدة. كما أن تعدد الدلالات التي تحملها أرتميدا قد يؤدي أحيانًا إلى تشعب الرمز وصعوبة الإمساك بمركز دلالي واحد، وأن الحضور القوي للأنا الشعرية يجعل أرتميدا في بعض المقاطع أقرب إلى صورة تعيد الذات الشاعرة خلقها باستمرار منها إلى شخصية مستقلة عن هذه الذات.

غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من البناء العام للقصيدة، بل تكشف عن مفارقة أساسية في تجربتها: فالفيض الذي يمنحها حيويتها هو نفسه ما قد يقود أحيانًا إلى الاستطراد، والثراء الرمزي الذي يوسع أفقها هو نفسه ما يجعل دلالتها شديدة التشعب. وربما كان هذا الفيض جزءًا من طبيعة النص نفسه، وكأن الشاعر يكتب من داخل حالة شعرية متدفقة لا تريد أن تتوقف.

أرتميدا… بين قصيدة مفتوحة وأسطورة في طور التشكل:

في نهاية المطاف، لا تبدو «أرتميدا» مجرد قصيدة تستعيد أسطورة إغريقية، بل محاولة لكتابة أسطورة جديدة عن الشاعر نفسه؛ فقد بدأ النص من أكتيون لكنه انتهى إلى الذات الشاعرة، واستدعى أرتميدا ربّة الصيد ليعيد تشكيلها امرأةً وحبيبةً وطفولةً وحريةً وقصيدةً، قبل أن يحوّل الأسطورة القديمة إلى سؤال حديث عن قدرة اللغة على ملامسة الحياة. ومن هنا تكتسب العبارة الأولى «كذبوا عليّ» دلالتها العميقة؛ فهي إعلان عن رفض الرواية الموروثة وعن رغبة الشاعر في كتابة روايته الخاصة. فالأسطورة في «أرتميدا» ليست ماضيًا يُستعاد، وإنما مادة حيّة يعاد تشكيلها لتصبح مرآة للذات وفضاءً للتأمل في الحب والذاكرة واللغة والخلق.

ومن الصيد إلى الحب، ومن الحب إلى الطفولة، ومن الطفولة إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الكتابة، تتحرك القصيدة في مسار متشعب بحثًا عن معنى لا يستقر على صورة واحدة. ولهذا تظل أرتميدا، حتى النهاية، مفتوحة على احتمالات متعددة: ليست امرأة اكتمل وصفها، ولا أسطورة أُغلقت دلالتها، ولا صورة نهائية استقر عليها الشاعر، بل معنى يظل في طور التشكل. وهنا تكمن إحدى مفارقات القصيدة: كلما حاول الشاعر الاقتراب من أرتميدا، اتسعت دلالتها؛ وكلما سعى إلى منحها اسمًا، خرجت من حدود الاسم؛ وكلما أراد أن يجعل الكلمات حياةً، عاد إلى القصيدة بوصفها المجال الوحيد الذي يستطيع فيه أن يواصل البحث.

وعلى هذا الأساس، لا يعود أكتيون في قصيدة محمد الهادي الجزيري ذلك الرجل الذي قادته المصادفة إلى رؤية أرتميدا فكان الموت مصيره، بل يصبح ذاتًا شعرية اختارت الدخول إلى الغابة، واقتحام المجهول، ومواجهة الجمال، وتحويل تجربة الاقتراب من المحظور إلى تجربة في الحب والكتابة والخلق. أما أرتميدا، فلم تعد ربّة الصيد وحدها؛ إنها صورة تتحول باستمرار بين المرأة والقصيدة والذاكرة والحرية، وتمنح الشاعر فرصة لمواصلة البحث عن ذاته في «غابة الأسماء والأشياء».

وفي النهاية، ربما لا يكون عدم اكتمال «أرتميدا» نقصًا فيها، بل جزءًا من جوهرها؛ فالشاعر لا يقدم معنى نهائيًا، وإنما يترك القارئ أمام تجربة شعرية تواصل البحث عن المعنى وتضع اللغة نفسها في مواجهة حدودها. ولهذا تبدو «أرتميدا» أقل اهتمامًا بإعادة سرد الأسطورة من رغبتها في استخدامها لبناء أسطورة شخصية عن الحب والذاكرة والكتابة، وعن شاعر يحاول أن يجعل من القصيدة مكانًا لمواصلة البحث عن ذاته.

 L-univers

L-univers

Journal électronique traitant des affaires étudiantes, de la vie universitaire, des services universitaires et des activités communautaires

Shopping Basket