الصحراء كمتاهة للذات والبحث عن الوجود  في قراءة للعرض المسرحي “سراب” لحافظ خليفة 

أنوار جامعية نيوز حافظ الشتيوي

حافظ الشتيوي
حافظ الشتيوي

الصحراء كمتاهة للذات والبحث عن الوجود  في قراءة للعرض المسرحي “سراب” لحافظ خليفة

احتضنت قاعة الفن الرابع بتونس العاصمة، مساء السبت 4 أفريل 2026، العرض الأول للعمل المسرحي الجديد سراب، للمخرج حافظ خليفة عن نص للكاتبة فوزية ضيف الله. وقد شهد العرض حضوراً لافتاً لنخبة من المسرحيين والنقاد والصحفيين، إلى جانب جمهور عريض تفاعل بعمق مع رؤية ركحية حاولت ملامسة التخوم الفاصلة بين الواقع والوهم، وبين الهجرة كحلم والخلاص كـ “سراب”.
المسرح  قدمت بدعم من وزارة الشؤون الثقافية وهي من إنتاج شركة فن الضفتين للإنتاج الفني (Art Des Rives)

عن نص للدكتورة فوزية ضيف الله و سينوغرافيا وإخراج: حافظ خليفة تمثيل كل من : جلال الدين السعدي، جميلة كامارا، نزهة حسني، كمال زهيو، خلود المونة وساعد في الإخراج : فاطمة الزهراء المرواني والموسيقى تصويرية للفنان  كريم الثليبي و تصميم الملابس: آمال الصغير،، تصميم وتنفيذ إنارة: محمد رشاد بلحم ، تصميم رقمي: نور جلولي ،  توضيب ركح: جلال مصدق  إدارة إنتاج: مفيدة المرواني ، المكلفة بالإعلام أماني بولعراس

فلسفة العنوان: من “الرقراقي” إلى الوجودية

انطلق العمل من دلالة لغوية متجذرة في بيئة الجنوب التونسي، حيث يُعرف السراب بـ الرقراقي. هذا التوصيف لا يمثل مجرد ظاهرة بصرية ناتجة عن انكسار الضوء وحرارة الأرض، بل هو استعارة كبرى للضياع الروحي والدنيوي. في “سراب”، تتحول الصحراء من حيز جغرافي إلى فضاء وجودي بامتياز؛ فهي المكان الذي يُولد “الصورة الكاذبة” للمياه (أصل الحياة)، تماماً كما تولد فكرة “الجنة الموعودة” في الشمال والشرق أوهام النجاة لدى الشخصيات.

التيه النسوي وصراع الهوية

تتمحور القصة حول ثلاث نساء صحراويات: “ماتيا” (اسم أمازيغي معناه سيدة النساء) التي تفيض ملامحها بالقوة صحراوية المنشأ. هربت من حرب ظالمة داهمت قبيلتها وهجرت أهلها وذويها ، “تانيري” إسم أمازيغي معناه الصحراء) الهاربة من وطأة التقاليد الجسدية القاسية والباحثة عن وسيلة لاستكمال دراستها العلمية  و”سيليا”: ( اسم أمازيغي معناه الفاتنة بجمالها)  وهي الفتاة التي تبحث عن حب مفقود وسط العاصفة. تلتقي هؤلاء النسوة في قلب العدم، بلا ماء أو زاد، ليواجهن مصيرهن العاري أمام قسوة الطبيعة وقسوة الذاكرة.

المسرحية هنا لا تقدم فقط “حكاية تيه”، بل تشرح بذكاء ملامح معاناة المرأة الطموحة التي تصدح بصوت الأنثى عالياً، بعيداً عن أشكال التعصب والمنع. إنها صرخة ضد المجتمع الذي “يتحكم في الخطوات”، حيث تصبح الهجرة هي المسار الوحيد المتاح نحو “الحرية” التي قد لا تكون في النهاية سوى سراب آخر.

ثنائية الحكمة والصمت: “مصباح” و”طاقع

يبرز في العمل الدور المحوري لشخصية “مصباح” (أداء جلال الدين السعدي)، ذاك الخمسيني المتخصص في كشف الألغام، الذي يمثل “خبير الفواجع”. بمظهره الذي يراوح بين التعبد والتوحد بلباسه الغريب في عمق الصحراء ليكشف في لحظة صدق عن مأساته الإنسانية ورهافه حسه وحزنه العميق في رحلة البحث عن ابنته المفقودة في الصحراء بعد ان تم اختطافها لإسكات صوتها وهي الصحفية الاستقصائية التي حاولت كشف المستور
وإلى جانبه، تظهر شخصية “طاقع”، (كمال زهيو ) الذي يطرح تساؤلات حول معنى الوجود من خلال صمته المطبق وجسده الراقص فوق الرمال. وهو الكائن البدائي الذي يعيش بين الآدمية والوحشية، ليجسد صلة الوصل مع الطبيعة الخام، وتأثره باللقاء مع “سيليا” الذي يعيد إليه نبض إنسانيته المفقودة.

السينوغرافيا: من كهوف “طاسيلي” إلى التكنولوجيا الرقمية

على مستوى الرؤية البصرية، نجح حافظ خليفة في تحويل الخشبة إلى فضاء “غرائبي” و”عجائبي”. تم تقسيم المكان ضوئياً ليحاكي رحلة النساء، وصولاً إلى استعمال رداء أسود شفاف كشف عن رسومات مستوحاة من كهوف “طاسيلي بالجنوب الجزائري ، هذه الإحالة التاريخية تعطي للعمل بُعداً انثروبولوجياً، يربط بين إنسان العصور الأولى وإنسان اليوم في صراعهما من أجل البقاء .

كما أضافت التصاميم الرقمية واستخدام تقنيات الإضاءة (Gobo) طابعاً حديثاً يكسر جمود الصحراء، بينما عززت ملابس آمال الصغير الهوية البصرية من خلال أقمشة “المرقوم” والأوشام الأمازيغية (المثلثات والدوائر)، وهي شفرات رمزية  تحيلنا إلى هوية المكان والفضاء وقبيلة الانتماء وقد شكلت الملابس عنصرا أساسيا من عناصر نجاح العرض المسرحي

اللغة والرؤية الكونية

قدمت لنا الكاتبة الدكتورة فوزية ضيف الله نص المسرحية مكتوب بـ لغة بيضاء، مزجت بين لغة الصحراء، إيقاع شعري، وسجعي، مما خلق طقساً حكائياً أفريقياً خالصاً.

 “سراب” ليست مجرد عرض مسرحي، بل هي نافذة كونية تبحث في عمق الإنسان الغارق في تناقضاته، محاولةً الإجابة عن أسئلة الهجرة الحارقة والهروب من الحروب والتخلف، بحثاً عن أمل قد لا يكون موجوداً إلا في ذواتنا.

 L-univers

L-univers

Journal électronique traitant des affaires étudiantes, de la vie universitaire, des services universitaires et des activités communautaires

Shopping Basket