قراءة في تميز الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء بتونس “الصحراء من فضاء جغرافي صامت إلى لغة وجودية وفرجة مشهدية”

أنوار جامعية نيوز حافظ الشتيوي

قراءة في تميز الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء بتونس “الصحراء من فضاء جغرافي صامت إلى لغة وجودية وفرجة مشهدية”

في قلب الامتداد الشاسع، حيث لا يحدّ البصر سوى الأفق، لا تعود الصحراء مجرد حيز جغرافي، بل تتحول في رؤية المخرج حافظ خليفة إلى تجربة وجودية عميقة تتشابك فيها الفلسفة بالفن. هنا، نغادر مربع القراءة التقليدية للمكان لنلج عوالم “الأنطولوجيا” و”السيميولوجيا”، حيث تصبح الرمال نصاً يقرأ، والصمت لغةً تُسمع
.وفقاً للمنظور المعرفي والجمالي المعاصر، لا تمثل الصحراء مجرد حيز طبوغرافي محكوم بالقسوة المناخية والامتداد اللامتناهي، بل أضحت فضاءً رمزياً يعيد صياغة الوعي الإنساني وتجلياته الوجودية، لينزاح المكان في هذا المختبر المسرحي الفريد عن صبغة “الخلاء” الموحش، ويتحقق في صورة “امتلاء دلالي” باذخ.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة المخرج المسرحي حافظ خليفة، مؤسس المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء، كنموذج تطبيقي رائد لجدلية العودة إلى الجذور، والتماهي مع الفضاء المفتوح، واستنطاق الصمت؛ حيث تلتقي رؤيته الإخراجية مع الررؤى الفلسفية والأدبية الكبرى، وتتماهى مع المقاربة البصرية للأديب الفرنسي أنطوان دي سانت إكزوبيري الذي آمن بأن الجمال الحقيقي يكمن في الحجب والعمق ولا يدرك إلا بالبصيرة، مثلما تتقاطع مع مقولة الروائي باولو كويليو بأن الصحراء تتحدث بلغة لا يفقهها إلا من أتقن الإصغاء بقلبه.
ومن خلال هذا المزيج الفكري، نجح حافظ خليفة في تحويل الصحراء من فضاء مكاني مصمت إلى مرآة عاكسة للروح، ومسرح كوني تتدفق فوقه ملاحم الوجود الإنساني بأدوات بصرية أولية تختزل عناصر الطبيعة في: الرمل، والريح، والبصيرة.

فعلى امتداد ست  دورات استطاع خليفة، عبر مشروعه الريادي “المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء“، أن يحول هذا الصمت الصحراوي إلى خطاب، والرمال الصماء إلى ذاكرة حية، مجسداً مفهوم “بصيرة الاكتشاف” التي تتجاوز السطح المادي لتنفذ إلى جوهر المعنى وايمانا منه بخلق شكل فرجوي جديد في قلب الصحراء  اعتمد فلسفة القافلة الثقافية المتنقلة ليحط الرحال كل سنة في منطقة صحراوية مغايرة حاملة معها شكل فرجوي جيدي لفك العزلة الثقافية عنها ولتنشيط السياحة الثقافية من خلال العروض وتنظيم ندوات فكرية والورشات التكوينية وكذلك  لجذب أبرز قامات الفن الرابع والاعلام ونجومه محلياً، عربياً، ودولياً معتمدا أولا على “عروق الرمل ” والمساحات الصحراوية الممتدة كسينوغرافيا طبيعية لخلق جمالية مشهدية الفيافي في كل ربوع الجنوب وثانيا على تعطش أهالي المنطقة للثقافة وللفن ولجميع أشكال الفرجة المشهدية.


مدينة “القُلعة” تفتتح الدورة السادسة بلوحات فلكلورية شعبية وبسحر بكرنفال الصحراء

عاشت مدينة القلعة بالجنوب التونسي من  29 أفريل 2026 إلى 3 ماي 2026 على إيقاع الدورة السادسة لـ “المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء” بقرية القلعة (معتمدية دوز الشمالية)، محولةً رمال ولاية قبلي إلى مسرح مفتوح يحتفي بالإبداع الإنساني.
وانطلقت الفعاليات بعروض فرجوية جسدت الهوية الصحراوية في أبهى صورها؛ حيث قدم “كرنفال الصحراء” مظاهر الحياة الثقافية والتراثية والاجتماعية بالجهة ورسمت فرقة النجوم الخمسة للفنون الشعبية بدوز  لوحة موسيقية تلاحمت فيها ألحان “الزكرة” مع إيقاعات “الطبالة” (وعرض “المداوري والزقايري”)(والجحفة التراثية،لتمتزج مع استعراضات فرسان القلعة الذين جسدوا بفروسيتهم شموخ المنطقة وعراقتها. وتعزيزاً لعمق الروابط التراثية، سجلت “طائفة غبنتن” بمدنين حضوراً لافتاً بعرض بدوي أصيل، أكد على المقولة الشعبية بأن “الشعوب لا تنسجم إلا مع فنونها وتراثها”. وقد شهدت “ساحة الربوة” توافداً جماهيرياً غفيراً، جمع أهالي المنطقة بزوارها وعشاق الفن الركحي الذين جاؤوا لمواكبة هذا الحدث الاستثنائي.


                            برمجة ثرية واستضافات دولية

تعتبر الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء بالقلعة من انجح الدورات مقارنة بالدورات التي سبق تنظيمها باعتبار النضج الفني والاشعاع المحلي والدولي لهذا المهرجان الفريد بالمنطقة .

وفي هذه الدورة السادسة أعد حافظ خليفة برمجة ثرية اعتمدت على العروض الوطنية والدولية  بما يعادل 25 عرض  من 20 دولة إضافة إلى الورشات التكوينية في الإخراج والتمثيل والموسيقى والسينوغرافيا وصنع العرائس ثم التكريمات التي شملت أقطاب وطنية ودولية في المسرح والإخراج وأخيرا الندوة العلمية والماستر كلاس والتي تمت دعوة اليها المعلم العالمي الأستاذ في علم الانثروبولوجيا اوجينو باربا وزوجته الباحثة جوليا فارلاي وكذلك الأستاذ الفرنسي جان ماري برادي وسفير اليونسكو للسلام المسرحي السوداني علي المهدي والمخرجين من كوريا الجنوبية  جان لونغ وسونغ.

بالنسبة للعروض فقد انقسمت إلى عدة فضاءات متنوعة فبالنسبة لعروض الأطفال قدمت في الواحات ودار الشباب وقد شهدت اقبالا محترما  ثم العروض الشبابية والدولية والتي قدمت بساحة الربوة وهي ساحة كبيرة  تتربع في قلب المدينة فوق ربوة عالية تمتد رمالها الصحراوية على مساحات شاسعة وتطل على المدينة والمدن والقرى المجاورة.
أما العروض الملحمية والفرجوية الكبرى  فقد تمت تهيئة ساحة الصحراء الكبرى لتسع لأكبر عدد ممكن من الجمهور .وقدمت فيها اقوى الملاحم الفرجوية التي تضم ما بين 40 و150 عنصرا من الممثلين والمنشدين والمؤدين والخيالة والكومبارس وتجلى ذلك خاصة في ملحمة مائة ليلة وليلة للفرقة القطرية وملحمة قصر الثرى لحافظ خليفة والحفل الختامي لعرض الفنان شحرور الصحراء رؤوف ماهر.

وآخر الفضاءات التي تمت تهيئتها هي فضاء الصحراء الثقافي بمنطقة استفطيمي وهو فضاء ثقافي قدمت فيه الماستر كلاس لاوجينو باربا والإقامة الفنية التي اشرف عليها كل من الفنانين الايطاليين في فن الكوريغرافيا، لوكا بروني وماريو فيراري اللذان قاما بإعداد عرض الافتتاح “طقوس الربيع” Le Sacre du Printemps .


              الحدث الكبير في القُلعة “حضور المعلم العالمي اوجينو باربا”


سيكتب التاريخ يوما أن ركب المعلم اوجينو باربا قد حط الرحال من دون المدن الكبرى بمدينة القُلعة التي أصبحت بفضل المهرجان عاصمة للمسرح في الصحراء
وعندما وصل رجل المسرح العالمى الرائد الكبير يوجينيو باربا لأرض مدينة السلام كان في استقباله مدير المهرجان الذي هو في الأصل تلميذه المجتهد حافظ خليفة الذي أبى إلا أن يكرم أستاذه وملهمه في أكبر احتفالية مسرحية دولية بالصحراء بالجنوب التونسي وتشارك يوجينيو باربا فى زيارته للمهرجان الممثلة والمؤلفة والمخرجة جوليا فارلاي، شريكة حياته وزميلته بمسرح الأودين والتي ساهمت  في تقديم ورشة الممثل بفضاء الصحراء استفطيمي وترجمت محاضرته في الندوة العلمية حول انثروبولوجيا المسرح وكذلك يشاركه الزيارة الباحث الفرنسي في الانثروبولوجيا الأستاذ جان ماري براديي

ويعتبر «باربا» من أعلام المسرح منذ الستينيات من القرن الماضي، وحتى الآن وعلى مدار مسيرته الاستثنائية والرائدة استطاع أن يجمع بين الإخراج المسرحي والتأليف والبحث العلمي في مجال المسرح، والتنقل بين مختلف الحقول المنهجية والمسرحية، والتي تتنوع بين انتمائه وترويجه لمنهج جروتوفسكى للمسرح الفقير، الذى كان أول من كتب عنه فى عام 1964 «بحثا عن المسرح المفقود»، وكان كذلك أول من جمع وحرر عمل جروتوفسكى «نحو مسرح فقير» فى عام 1968.

حضور طوفاني للجمهور فاق كل التوقعات


شهدت جميع عروض المهرجان وخاصة المسائية منها حضور جماهيري كبير يتراوح ما بين الثلاث آلاف والستة الاف متفرج تابعوا بشغف وانتباه كبيرين مختلف العروض الدولية وبالرغم من اختلاف الثقافات واللغات والتوجهات الفكرية والفرجوية على غرار عرض السيرك لكرواتيا وعرض المسرح الصامت لكوريا الجنوبية والعرض الكوريغرافي الإيطالي .
يمكن قراءة هذا “التوافد الطوفاني” لجمهور الصحراء نحو المهرجان على أساس ليس فقط كفعل حضور لمشاهدة عرض، بل كظاهرة سوسيولوجية وأثرية (أنثروبولوجية) عميقة تعبر عن رغبة جماعية في إثبات الوجود حضور الآلاف من سكان المناطق النائية هو فعل عفوي سياسي غير مباشر. فمن خلال التواجد بكثافة، هم يرسلون رسالة للمركز (العاصمة) وللعالم مفادها: “نحن هنا، نحن موجودون، ونحن جديرون بالثقافة. او لمهرجان قدم لهم “الاعتراف الثقافي” الذي حُرموا منه طويلاً، فجاء التوافق كاستجابة فورية لرد الاعتبار لكرامتهم الثقافية

فهذا التوافد الطوفاني هو “الهروب الجماعي” نحو الجمال ان صح التعبير فالجمهور هنا يمارس حقه في “الفرح” كفعل تحدٍ لواقع التهميش. إنهم لا يستهلكون ثقافة، بل ينتجونها بحضورهم وتفاعلهم، محولين “القلعة” من قرية صغيرة إلى “منارة” تشع عالمياً، مما يقلب موازين القوى بين الهامش والمركز

فعندما يشعر الجمهور بالتهميش في “المجال العام الرسمي” (الإعلام، الثقافة، التنقل، الصحة…)، فإنه يسعى لخلق “مجالات عامة بديلة من خلال الصحراء التي لم تعد بالنسبة لهم مكاناً “خارج الخريطة”، بل أصبحت “قلب الخريطة” و بفضل هذا الجمهور الذي فرض وجوده، محولاً المنطقة إلى فضاء للقاء والفرجة والحياة الاجتماعية والاقتصادية المكثفة
وتحول الرمل من مكان “للعمل والارتحال” إلى مكان “للدهشة” وللفرجة. هذا التحول الجمالي للمكان جعل الأهالي يشعرون أن أرضهم أصبحت “مزارا فنيًا”، وهو ما يفسر حرص العائلات بأكملها (من الجد إلى الحفيد) على التواجد؛ إنه احتفاء بالأرض في لبوسها الجديد الأنيق.

كيف تصنع الشراكات الذكية حدثاً ثقافياً عالمياً؟

لا تقاس قوة المهرجانات الثقافية اليوم بمجرد عدد العروض التي تقدمها على الخشبة، بل بمدى قدرتها على حشد الطاقات، وبناء الجسور، وتحويل الفعل الثقافي إلى محرك تنموي واجتماعي متكامل. هذا التوجه هو ما تجسده بدقة الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء، والتي لم تعد مجرد حدث عابر، بل تحولت إلى ورشة عمل كبرى وحدث استثنائي بفضل استراتيجية ذكية ارتكزت على “التشبيك” وعقد الشراكات الفاعلة محلياً، وطنياً، ودولياً


ولقد أدركت إدارة المهرجان أن النجاح المستدام لا يتحقق بالعمل المنفرد؛ فصاغت شبكة أمان ثقافية ولوجستية تضم أبرز الفاعلين في المشهد الثقافي التونسي.
فمن خلال إبرام اتفاقيات استراتيجية مع مؤسسات رائدة، ضمن المهرجان جودة المحتوى وعمق الأثر. فالتكامل مع مؤسسات بحجم المسرح الوطني تونس، ومسرح أوبرا تونس، والمعهد العالي للموسيقى والرقص بالكاف، يمنح المهرجان ثقلاً أكاديمياً وفنياً لا يستهان به. وبالمقابل، تضمن الشراكة مع التلفزة الوطنية وصول هذا الفن المسرحي واشعاعه الدولي إلى كل بيت تونسي، مما يخرج المهرجان من محيطه الجغرافي الضيق إلى أفق وطني شامل.

ثم إن الميزة الحقيقية لهذه الدورة هي تجذرها في بيئتها المحلية من خلال شراكات نوعية تجاوزت الفعل الثقافي النمطي لتلامس الواقع الاجتماعي والشبابي وذلك من خلال الشراكة مع المندوبيات الجهوية للثقافة، والصناعات التقليدية، ووزارة المرأة والأسرة بقبلي كما اقدم المهرجان على  فتح الباب للشباب للتخييم ثم امضاء اتفاقية شراكة فاعلة و ناجحة بامتياز مع المندوبية الجهوية للشباب والرياضة بقبلي، والتي أثمرت وللمرة الثالثة على التوالي إقامة المخيم الشبابي بالصحراء بالمنتزه البلدي بالقلعة، مما جعل المهرجان حاضنة حقيقية لطاقات الشباب ومساحة لتفجير إبداعاتهم.

في خطوة رائدة وغير مألوفة في المهرجانات الفنية، جاءت الاتفاقية مع مؤسسة “سمارت واي” لتنظيم منبر حواري حول “تأهيل الشباب للحياة الزوجية” بإشراف خبراء في مجالهم، فهذه الخطوة تثبت أن المسرح في الصحراء ليس معزولاً عن قضايا مجتمعه، بل هو منصة لطرح الحلول والتوعية.

وأخيرا لم يقف طموح المهرجان عند الحدود الوطنية، بل امتد ليرسخ دوره كجسر للتواصل الثقافي العابر للقارات. فالشراكة الدولية مع المركز الجهوي للرقص بأومبريا (إيطاليا) وفضاء الصحراء الثقافي باستيفطيمي لم تكن مجرد حبر على ورق، بل تُرجمت إلى منتج إبداعي ملموس تمثل هذا النجاح الدولي في عرض الكوريغرافيا المبهر “طقوس الربيع” (Le Sacre du Printemps)، وهو ثمرة إقامة فنية متميزة للرقص التعبيري أقيمت  في افتتاح المهرجان ضمن مشروع CO-CreART. هذا التلاقح الثقافي التونسي الإيطالي يثبت قدرة الصحراء التونسية على أن تكون مختبراً دولياً لإنتاج الفن المعاصر، وليس فقط مكاناً لاستضافة العروض الفلكلورية.

ويمكن القول إن الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء قدمت درساً بليغاً للمشهد الثقافي العربي؛ ومفاده أن “المهرجان الناجح هو الذي يصنع شركاء، لا الذي يبحث عن رعاية عابرة”. بفضل هذه الرؤية التشاركية، نجح المهرجان في تحويل الصحراء إلى منصة حية تلتقي فيها الفنون، وتتناغم فيها الأصالة المحلية مع الحداثة العالمية، ليكون الفائز الأكبر في النهاية هو الجمهور والمربي والشباب والطلبة والفعل الثقافي المستدام.

                 المعرض المغاربي للصناعات التقليدية: نافذة على الإبداع اليدوي

على هامش فعاليات المهرجان، تم تنظيم “المعرض المغاربي للصناعات التقليدية”، الذي استعرض أنامل الحرفيات المبدعات من تونس والجزائر، مقدماً تشكيلة متنوعة من الحرف اليدوية التي تعكس وحدة الموروث الثقافي في المنطقة المغاربية. وقد حظي المعرض بإقبال لافت من الضيوف الأجانب طيلة فترة المهرجان، حيث أبدى الوفد الدولي إعجابه بدقة الصناعات التقليدية المحلية، وحرص العديد منهم على اقتناء قطع فنية ومنتوجات حرفية كتذكارات تجسد أصالة الجهة وتفردها، وطبعا لم يفوت الضيوف اقتناء التمور المحلية والتي تعتبر من اجود الأنواع بالمنطقة مما ساهم في خلق حركية تجارية وثقافية تبرز دور المهرجان في دعم الاقتصاد الثقافي المحلي.

                             ورشات تكوينية وأسماء دولية

تمت برمجة سلسلة من الورشات الفنية توزعت على ثمانية اختصاصات، ما يعكس ثراء البرنامج وتنوعه. وقد أشرفت على هذه الورشات أسماء فنية عربية ودولية، من بينها المخرجة والممثلة الإيطالية دانبيالا جوردانو التي أدارت ورشة فن الإخراج، إلى جانب ورشات أخرى شملت عرائس وأقنعة “روح النخلة” لحسان مري، وورشة السينوغرافيا والمكان بإشراف سليم الصنهاجي، وورشة الجسد والفضاء لمعز حمزة، وفن الممثل مع مليكة بالباي، إضافة إلى ورشة الموسيقى التي أطرها سليم حمدي، وورشة “المسعف الصغير”. لتنشيط أبناء المنطقة وقد شهدت هذه الورشات إقبالًا لافتًا من الشباب والكهول، في دلالة واضحة على تعطش أبناء الجهة لمثل هذه المبادرات التكوينية التي تفتح آفاقًا جديدة أمام الممارسة الفنية وتكرّس ثقافة المسرح كأداة للتعبير والتغيير.

                 السهرات الفنية بالساحة الكبرى تستقطب آلاف الجماهير

في السهرات المسائية، تحوّلت ساحة العروض الكبرى إلى فضاء احتفالي استقطب ما بين 3000 و 5000 متفرج، لمتابعة مختلف الاعمال التي تقدم لأول مرة على رمال الصحراء من بينها سيرك الفنون” تحت عنوان “أولاد الريح” للفنان أزر بن سعد؛ وهو عرض استثنائي زاوج بين مهارات الحركة وسحر الإبهار البصري في قلب الكثبان الرملية، ليؤكد أن الصحراء ليست مجرد مكان، بل هي فضاء رحب للإبداع الذي لا يحده سقف.

ومسرحية “الهاربات” تأليف وإخراج وفاء الطبوبي، وهي من إنتاج المسرح الوطني التونسي، وقد حصدت العديد من الجوائز الوطنية والدولية ، تتناول المسرحية قضايا اجتماعية حارقة من خلال شخصيات تنتمي إلى فئات مهمّشة، مثل عاملة نظافة مسنّة، وأستاذة نائبة، وخريجة حقوق، وعاملة خياطة، وامرأة تجمع القوارير البلاستيكية، وشاب مطلق يلاحقه القضاء. هذه الشخصيات، رغم اختلاف مساراتها، تلتقي في مصير مشترك عنوانه التهميش والضياع، لتتحول إلى مرآة صادقة لأزمة مجتمع يعاني من الفقر وغياب العدالة الاجتماعية وتفكك الروابط الإنسانية.

في السهرة الثالثة تم عرض ملحمة مائة ليلة ولية من إنتاج شركة السعيد للإنتاج الفني، ضمن تمثيل دولة قطر في هذا الحدث الثقافي الدولي البارز، حيث تقدم المسرحية ملحمة فنية تستلهم عوالم الحكايات والأساطير، ضمن معالجة مسرحية معاصرة تمزج بين السرد البصري والأداء التمثيلي، في صياغة جمالية متكاملة.

في السهرة الرابعة قدمت فرقة بين الضفتين ملحمة “قصر الثرى ” وهو عمل فرجوي ضخم بمشاركة نجوم المسرح و التلفزيون التونسي , يروي اهمية الترابط السلمي و التراحم بين قبائل الصحراء و التجمع حول المصلحة العامة و التأكيد على قيم التسامح و التآزر بين سكان الصحراء.

التكريم كجسر بين الذاكرة والجيل الجديد

لا تكتمل هوية مهرجان ثقافي رائد دون وقفة وفاء تُثمن جهود قامات أعطت للمسرح والإعلام حياتها. وفي الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء، لم يكن التكريم مجرد بروتوكول عابر، بل تحول إلى رسالة استراتيجية بليغة؛ رسالة تؤكد أن هذه المناطق التي صُنفت يوماً “منسية” باتت اليوم مركز ثقل قادر على استقطاب صناع الفن من مختلف قارات العالم، ليقفوا جنباً إلى جنب مع مبدعي تونس في احتفالية استثنائية بالوعي والجمال
ويمكن القول إن تقديم هذه القامات الفذة للجمهور والشباب يهدف بالأساس إلى تقديم “النموذج والمثال” الملهم، وتأكيد قدرة الفعل الثقافي على كسر العزلة الجغرافية وصناعة التاريخ فمن خلال هذه التكريمات، يبرهن المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء أنه لا يصنع فرجة مؤقتة، بل يبني ذاكرة مشتركة، ويلقن الأجيال الجديدة درساً مفاده: “من هنا مر العباقرة، ومن هذه الصحراء تنبثق العالمية”.

وجسدت قائمة المكرمين الدوليين هذا العام التنوع والعمق الفكري للمهرجان، حيث احتفت الدورة بأسماء حفرت مساراتها في تاريخ الفن الإنساني:

  • أوجينيو باربا (Eugenio Barba): المعلّم والأستاذ ورائد الأنثروبولوجيا المسرحية في العالم، والذي يمثل حضوره تكريساً للمهرجان كمختبر بحثي وفكري وليس مجرد ركح للعروض.
  • جان ماري برادي: الباحث والمفكر المتميز في مجال الأنثروبولوجيا المسرحية.
  • جوليا فارلاي: الممثلة والباحثة الدنماركية القديرة.
  • علي المهدي: الفنان السوداني الكبير وسفير اليونسكو للسلام المسرحي، في تأكيد على دور الفن في نشر قيم السلام والتسامح.
  • لوكا بروني وماريو فراري: ممثلا المركز الجهوي للرقص بأومبريا (إيطاليا)، تقديراً لجهودهما في التلاقح الحركي والكوريغرافي.
  • المركز الثقافي الإيطالي بتونس: كشريك داعم لحوار الثقافات.
  • بالإضافة إلى المبدع يونغ جون من كوريا الجنوبية ، والفنان فايز فايز السعيد من دولة قطر الشقيقة، مما يعكس الامتداد العربي والآسيوي للمهرجان.

في المقابل، كان للداخل التونسي نصيب الأسد من العرفان، عبر تكريم شخصيات ومؤسسات رسمت ملامح المشهد الثقافي الوطني ودعمت صمود هذا المهرجان:

  • السيد معز حسن (والي قبلي): الداعم الكبير للمهرجان وللحراك الثقافي في الجهة، والذي يمثل تكريمه تثميناً لإيمان السلطة المحلية بدور الثقافة كرافد تنموي.
  • المخرج والفنان محمد منير العرقي: الذي أدار أيام قرطاج المسرحية لثلاث سنوات بامتياز، تاركاً بصمة إخراجية وإدارية فارقة.
  • الفنان المسرحي صالح الجدي: تقديراً لمسيرته الفنية الحافلة وإبداعه المتواصل على الخشبة والشاشة.
  • المؤسسات والجمعيات الحاضنة: حيث شمل التكريم المسرح الوطني التونسي ، إلى جانب الطاقات الشبابية المحلية بالجهة والمتمثلة في جمعية همس للفنون الركحية والدرامية بالقلعة وجمعية رؤى للتنمية والتجديد بالقلعة، وهي الجمعيات التي تقف خلف كواليس هذا النجاح بكل تفانٍ وتلقائية

الفنان رؤوف ماهر يشعل ليالي القلعة…
 وعشرة آلاف متفرج يصنعون عرس اختتام المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء


شهد حفل اختتام الدورة السادسة من المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء بمدينة القلعة حضورا جماهيريا استثنائيا تزامن مع العرض الفني الذي قدّمه الفنان رؤوف ماهر بحضور ما يقارب عشرة آلاف متفرج، حيث تحولت السهرة الختامية إلى موعد فني احتفالي جمع بين سحر الصحراء وحرارة التفاعل الجماهيري في واحدة من أبرز محطات المهرجان لهذا العام. وقد اختار جمهور المهرجان أن يختتم أيامه الثقافية والفنية على وقع الأغنية التونسية الشبابية والإيقاعات التي ألهبت حماس الحاضرين من مختلف الفئات العمرية.

وتمكن رؤوف ماهر خلال الحفل من خلق حالة من الانسجام المباشر مع الجمهور، حيث ردد الحاضرون أغانيه وتفاعلوا مع عرضه بحماس كبير، في مشهد عكس الشعبية الواسعة التي يحظى بها داخل تونس وخاصة لدى فئة الشباب. وقد تميز العرض بحضور جماهيري كثيف فاق التوقعات، حيث قُدّر عدد الحاضرين في اليوم الختامي بما يقارب عشرة آلاف متفرج، ما أضفى على سهرة الاختتام أجواء احتفالية مميزة أكدت نجاح الدورة السادسة للمهرجان على المستويين التنظيمي والفني.

ويأتي هذا النجاح الجماهيري ليؤكد قدرة المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء على المزج بين الفنون المسرحية والعروض الموسيقية الكبرى في فضاء صحراوي مفتوح، حيث نجح المهرجان في تحويل الكثبان الرملية بقرية القلعة إلى منصة ثقافية عالمية تستقطب الفنانين والجمهور من تونس وخارجها. كما ساهمت طبيعة المكان وسحر الصحراء في منح الحفل بعدا جماليا استثنائيا جعل من سهرة الاختتام حدثا فنيا متكاملا.

حافظ خليفة يكرم من رئاسة الجمهورية الإيطالية بميدالية الابداع الثقافي


تثمينا لجهوده المميزة وتقديرا لمساهمته في إثراء الميدان الفني والثقافي عموما والمسرحي خصوصا، تم تكريم المخرج ومدير المهرجان الدولي للمسرح في الصحراء حافظ خليفة بميدالية رئاسة الجمهورية الإيطالية للابداع الثقافي وقد تم تسليم هذه الميدالية من قبل الممثلة الإيطالية  Daniela Giordano.
وهذا التكريم او الاعتراف هو يتجاوز شخص حافظ خليفة ليشمل تكريم كل مبدع يؤمن بمعنى المسرح كرسالة إنسانية قادرة على تحريك الحواس وشحن الهمم وايقاظ الحلم في كل فرد والاهم هو احياء مناطق ومدن مهمشة وإدخال الفرحة والبهجة في قلوب الاهالي وصنع ربيع المنطقة بجعلها من مدينة مهمشة إلى قطب مسرحي ذو اشعاع عالمي .

وفي لقاء خاطف مع حافظ خليفة يقول ” أن هذا التكريم وهذه الميدالية التي شرفتني بها رئاسة الجمهورية الايطالية كانت بفضل جهود كانت معي آمنت بنفس المشروع الذي نعيش اليوم نشوة نجاحه بنجاح الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء
مشروع الصحراء هو الذي يستحق الميدالية ومن وراءه في التحضيرات من تقنيين وموضبين وصحفيين وشركاء وأصدقاء من تونس وخارجها .

فألف شكرا لفخامة الرئيس الإيطالي ولسعادة السفير الايطاالي ولمدير المركز الثقافي الإيطالي لأنهم كانوا مساهمين فاعلين في الدورة السادسة للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء من خلال شراكة فاعلة ومهمة بوجود المعلم العالمي اوجينو باربا وهذه مرحلة فارقة في عمر المهرجان مع نجاح الإقامة الفنية مع المركز الجهوري للرقص بأمبريا.

ونحن مازلنا مواصلين في الاجتهاد وإذا كانت هذه الدورة قد اختارت إيطاليا كضيفة شرف للمهرجان الدولي للمسرح في الصحراء  فإننا أيضا اخترنا إيطاليا لتكون ضيفة شرف الدورة الثالثة للمهرجان الدولي للسينما بالصحراء ولكن برؤية أخرى وهي استضافة الفنانين والمخرجين التونسيين الذين استقروا ونجحوا وتأثروا وأثروا في الحركة الثقافية بإيطاليا  .
أخير اعيد مرة أخرة أنا اشعر بالفخر الشديد بهذا الاعتراف الذي جاء من طرف إيطاليا كبلد شقيقة صديقة وأتمنى كذلك في دروع اليوم الوطني للثقافة بتونس ان تحظى الصحراء بلفتة كريمة وعناية أكثر وان لا تقتصر العناية على المركز بالعاصمة  فنحن نسعى ان ننقص من حدة هذه المركزية الثقافية من خلال الشراكات المهمة مع المسرح الوطني التونسي ومع مسرح الاوبيرا ومعاهد الفنون الدرامية والمراكز الثقافية.

دورة مضت وأخرى على الابواب

ختاماً، يمكن القول إن حافظ خليفة هذا المتمرد على السائد والمألوف نجح مرة أخرى في نقل الصحراء من صورتها النمطية القائمة على “الخلاء” إلى صورة أكثر عمقاً وأنسنة ولقد أثبتت هذه التجربة أن العمق الإبداعي لا يتطلب بالضرورة تقنيات معقدة أو جدران العلب الإيطالية الضيقة، بل يمكن أن ينبثق من العناصر الأولية: الرمل، والريح، والسماء، شريطة وجود رؤية فنية قادرة على تطويع هذه العناصر لخدمة المعنى وأن الصحراء لا تكشف أسرارها إلا لمن تعلم فن الإصغاء العميق، لتظل “الواحة” الحقيقية هي تلك الكامنة في أعماق الروح البشرية وتجلياتها الإبداعية وهذا ما صنع الفارق وجعل من تجربة حافظ خليفة تجربة متفردة لا مثيل لها .

ختاما تحية من العمق إلى جمهور القلعة الذي لم يخذل المهرجان طيلة السهرات المتتالية مواكبا بحماس ومحبة، مؤكدا أن هذا الحضور القياسي يعكس تعطش أهالي الجهة للفن والثقافة وقدرتهم على صناعة مشهد جماهيري استثنائي سيظل راسخا في ذاكرة المهرجان.
وينتظر حافظ خليفة في الدورة السابعة أكبر تحد له على الاطلاق باعتبار المدينة التي ستستضيف الدورة السابعة هي مدينة “جمنة ” مسقط رأسه ومهد ذكريات طفولته وصباه وأحلاه المبعثرة بين أزقتها وواحاتها وصحرائها


 L-univers

L-univers

Journal électronique traitant des affaires étudiantes, de la vie universitaire, des services universitaires et des activités communautaires

Shopping Basket