“ستّار مش بلعاني”.. عندما يُعيد وليد الصالحي صياغة “الكلاش” برداء السوينغ وسخرية شابلن

أنوار جامعية نيوز حافظ الشتيوي

حافظ الشتيوي
حافظ الشتيوي

“ستّار مش بلعاني”.. عندما يُعيد وليد الصالحي صياغة “الكلاش” برداء السوينغ وسخرية شابلن

في صيفٍ يَعِدُ بالكثير من المفاجآت الفنية لعام 2026، اختار الفنان وليد الصالحي أن يطل على جمهوره بمعايدةٍ من نوع خاص جداً، حاملاً في جعبته فيديو كليب أغنيته الجديدة “ستار”. لم تكن هذه الإطلالة عادية، بل جاءت محمّلة بجرعة مكثفة من التحدي وأسلوب “الكلاش” (Clash)؛ وهو خط غنائي مغاير وتجربة أولى يخوضها الصالحي، ليفاجئ بها متابعيه الذين لم يعهدوا منه هذا اللون سابقاً.

استند العمل في قوته الكلمية إلى قلم الشاعر معز الدادسي، الذي صاغ كلماتٍ حادة ومباشرة تفيض بالمعاني والتهكم، حيث يقول في مطلعها:

“لو في كلامي معاني.. وإنتي قريته عليك ستار موش بلعاني.. وسامحني كان جات فيك”

اللعب بالكلمات سحر مزدوج بين “الستر” وبريق “النجومية

تكمن القوة الخفية للعمل في التلاعب اللفظي الذكي والعميق الذي صاغه الدادسي في مطلع الأغنية؛ حيث تحمل كلمة ستار شفرة ثنائية الأبعاد تتأرجح بين لغتين وثقافتين:

  • بالمفهوم المحلي التونسي (ستّار بتضعيف التاء): المشتقة من الستر الإلهي “يا ستّار”، وهي عبارة شعبية تُقال بروح الدبلوماسية والاعتذار عند حدوث تصادم غير مقصود، كأنما يقول الفنان: “حماك الله، لم أكن أقصد إيذاءك بكلماتي”.
  • بالمفهوم الغربي (Star): هنا يتحول الاعتذار إلى “كلاش” فوقي بامتياز، يلمح فيه الشاعر إلى الخصم قائلاً: “عفواً، أنا نجم رغماً عني، وليس ذنبي أن بريق نجوميتي قد حجب عنك الضوء أو أصابك في مقتل”.

هذا التناقض البديع حوّل الأغنية من مجرد هجوم لفظي مباشر إلى معركة فنية أنيقة ذكية، مغلفة بالتهكم والاستخفاف بالخصم.

لقاء الأصالة التونسية بإيقاعات الزمن الجميل

على مستوى البناء اللحني، تولى وليد الصالحي تلحين العمل بنفسه، ونجح في صياغة توليفة موسيقية هجينة؛ فالأغنية في جوهرها ومقامها وعربها الصوتية تونسية أصيلة، لكنها ارتدت ثوباً غربياً لافتاً بفضل التوزيع والمكساج والماستيرينغ الذي أشرف عليه أحمد بدر الدين بو علي في “ستوديو المايسترو”. حيث نُفّذ التوزيع بروح موسيقى السوينغ” (Swing) وإيقاع الشارلستون الحيوي، ما أضفى على الأغنية ديناميكية حركية تأخذ المستمع في رحلة ممتعة عبر الزمن، وتقدم الـ (Clash) بروح مبهجة وخفيفة بدلاً من الصخب التقليدي.

ولم يكن هذا الخيار الموسيقي مجرد مصادفة، بل كان النواة التي تشكلت حولها الرؤية البصرية للكليب. فوفقاً للصالحي، كانت الموسيقى ذاتها هي الملهم لاستحضار شخصية الأيقونة العالمية شارلي شابلن، وإعادة إحياء أجواء أربعينيات القرن الماضي (تحديداً عام 1940)؛ فشابلن هو التجسيد الحي لذلك الإيحاء المبطن، يسير بسخرية فيصطدم بالناس معتذراً بحركاته الصامتة (ستّار مش بلعاني)، بينما هو في الحقيقة النجم الأكبر (Star) الذي يوجه أقوى الرسائل النقدية للعالم.

سينوغرافيا تاريخية وفرجوية متكاملة

تجسدت هذه الرؤية السينمائية تحت إدارة المخرج حسام الساحلي، الذي اختار فضاء قاعة الفن الرابع العريق بتونس ليكون المسرح الحاضن لهذه الملحمة البصرية، محولاً الكليب إلى عرض مسرحي متكامل. ولأن الجمالية تكمن في التفاصيل، ساهمت مصممة الأزياء ضحى الغربي في إتقان هذه اللوحة التاريخية، عبر تصميم ملابس وإكسسوارات دقيقة (كالقبعات الدائرية والحمالات) تحاكي حقبة الأربعينيات بدقة متناهية.

ولم تكن اللوحة لتكتمل بدون التناغم الحركي البديع الذي أشرفت عليه الكوريغراف وفاء الڤيزاني؛ حيث قدمت رفقة فريق الرقص لوحات تعبيرية تماهت بشكل مطلق مع إيقاع “الشارلستون” السريع والمبهج، مشكّلة جسراً بصرياً حياً يترجم نبضات الموسيقى. وخلف الكاميرا، قاد علاء البوغانمي مهمة التصوير والمونتاج بالتعاون مع “ستوديو الجوكر” لصاحبه سفيان فدلوك، ليخرج العمل في أبهى حلة بصرية وأعلى جودة فنية.

أثبت وليد الصالحي من خلال “ستار” أنه فنان لا يخشى التجريب، بارع في تفكيك السائد وإعادة صياغته؛ حيث سحب أغاني التحدي من بيئة الشوارع الضيقة، ليعيد إنتاجها في قاعة مسرح عريقة برداء السوينغ الأنيق وسخرية شابلن المبطنة. ومع انطلاق موسم الصيف، تمتلك هذه الأغنية كل المقومات الفنية لتتربع على عرش “الترند”، وتكون فاتحة خير لإصدارات أخرى قادمة يخبئها الصالحي في جعبته.

 L-univers

L-univers

Journal électronique traitant des affaires étudiantes, de la vie universitaire, des services universitaires et des activités communautaires

Shopping Basket