أنوار جامعية بقلم الدكتورة هدى المطاوعة مملكة البحرين
مؤسسة التعليم الأكاديمي في البحرين/ مستشارة عالمية للإعلام الثقافي والتنموي..

العالم العربي يودع الشاعر علي عبد الله خليفة
نبض البحرين
نعت مملكة البحرين اليوم وفاة الشاعر والأديب البحريني الكبير علي عبدالله خليفة المولود في المحرق عام 1944. الشاعر علي خليفة أحد رواد الثقافة في الخليج العربي.ترك وراءه ثروة من الدواوين الشعرية ومن البحوث العلمية في مجال الفلكلور والأدب الشعبي وستة عقود من النشاط الثقافي الذي توجه في الثلاثين سنة الأخيرة من خلال مركز كانو الثقافي الذي احتضن الشعراء والأدباء والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي في مختلف المجالات وأيضا المهتمين بالثقافة الشعبية المحلية وبالفولكلور العالمي من كل الأعمار من البحرين والخليج العربي وأيضا من العالم العربي.



ركز علي عبدالله خليفة على مكانة الإنسان المكافح الذي ينتزع قوت يومه بكثير من الجهد ورفع هذا الإنسان الفقير إلى مرتبة القدوة والشرف نظرا لشهامته وعزة نفسه وانخراطه الشجاع في الجهاد ضد المستعمر بالرغم من حاجته الماسة إلى حماية قوته وقوت عياله.
كتب علي خليفة معظم قصائده باللهجة البحرينية وجسر بين اللهجة العامية وبين اللغة العربية. والتركيز على الإنسان البحريني المكافح يتجلى في قصيدة “عبيد” التي غناها المطرب البحريني المشهور خالد الشيخ. وعبيد هو اسم مصغر لعبدالله يستخدم بين الرفقاء للتدليل على المحبة والألفة والحميمية. يقول الشاعر علي عبدالله خليفة:
لأنك عظيم وقوي.. شديت بك راسي يا عبيد
يا عبيد أصلك وفي.. للضيق متراسي يا عبيد
وانت شراع.. خطف حط في القلب راسي
زرّاع بذره امل.. والماي من داره يا عبيد
بحّار كفّه صبرت.. للريح واقداره يا عبيد
مهما اشوفك خلي.. في قيود غدّاره والله
ما قول شمسك طفت.. لو شيّبوا راسي يا عبيد..
وفي قصيدة عذاري يبث الشاعر شكواه لأكبر عين طبيعية للماء العذب في مملكة البحرين وتدعي “عين عذاري” ولهذا النبع قصص عجيبة ترددها الذاكرة البحرينية، وإحدى هذه القصص تقول بأن فارس اعترض طريق فتاة عذراء وراودها عن نفسها وهي تعبر الطريق وحيدة في الفجر فراحت تصلي وتبتهل لله في ان ينقذها من شره فابتلعتها الأرض وانفجر مكان موضع قدميها نبع غزير موجود إلى اليوم وسمي النبع “عذاري” للتدليل على نقاء الفتاة وعذريتها .
وهناك حكايات أخرى تتردد حول هذا النبع الغزير الذي تمتد منه قنوات مائية عميقة تسقي المزارع البعيدة بينما النخيل الموجودة عند النبع لا يصلها الماء. فصارت عين عذاري يضرب بها المثل للشخص الذي يغدق كرمه على الغرباء ويتجاهل المحتاجين الذين يعيش بينهم فيحرم الأقرباء من أبسط حقوقهم. وكتب الشاعر قصيدة بعنوان “عذاري” عندما كان الاستعمار البريطاني يهيمن على ثروات البحرين بينما اهل البلد يتعبون ويكافحون لكنهم يعيشون في الفقر والعوز وهم يرون الغريب يستحوذ على خيرات بلادهم.
ويقول الشاعر علي خليفة في قصيدة عذاري:
عذاري.. لي متى تسقين ذاك النخل لبعيد عطاشه
ننتخي يمج ونرفع صوتنا ونعيد
نشوف القيض عيد بالنخل واحنا بليه عيد.
وفي رمضان عام 2025 قامت وزارة الثقافة بفعالية اسمها “ليالي المحرق” تهدف إلى إحياء الموروث الشعبي، والتركيز على مشروع طريق اللؤلؤ الذي تم تسجيله ضمن التراث العالمي بفضل الوزيرة السابقة للثقافة والتراث الشيخة مي بنت محمد آل خليفة التي اسست مشروع عالمي لتخليد تراث طريق اللؤلؤ الذي يبدأ بالمحرق التي كانت العاصمة الأولى للبحرين على غرار طريق الحرير الشهير عالميا. والمحرق هي المدينة التي أنجبت معظم مثقفي ومفكري البحرين ومعظم السياسيين والكتاب الذين وقفوا في وجه الاستعمار وطالبو بالحرية ودفع بعضهم حياته ثمنا لهذه الحرية وبعضهم قام الاستعمار البريطاني بسجنهم وتعذيبهم او نفيهم خارج حدود الوطن.
يقول الشاعر علي عبدالله خليفة في التغني بالمحرق في مهرجان ليالي المحرق الأخير:
«الي قالو هوى محرق شمالي وشقق شراعي ..اقول عروقي كلها لمحرق ..وهي قلبي وهي الوشم اللي ما يمحه من ذراعي ..
ولي قالو شتحب في محرق؟ اقول اعشق ولا فسر! إذا ارض الغلا شبت وهي بالحب تحضني ..
انا ما اسكن محرق .. ترى اهيه اللي تسكني…
والقصيدة السابقة تحولت إلى اغنية طربية شارك في تقديمها عدد من فناني ومطربي البحرين.
عشق الشاعر علي عبدالله خليفه البحرين وتغني بحبها وبطيبة أهلها وبأصالة الإنسان البحريني البسيط وكرمه اللامحدود وشهامته وعزة نفسه التي تميز الإنسان البحريني عالميا، هذه الخصال التي لم تغيرها المادة إلى اليوم جعلت البحرين الأولى عالميا في الأمن والأمان وكرم الضيافة والتنوع الثقافي الذي يتقبل الإنسان القادم إليها من اي جهة من العالم ويساوي بينه وبين اهل البلد في التعامل والإيثار إن لم يكن يؤثر الغريب على المواطن وهي طبع كرمي راق متجذر في سمات البحرينيين الأصليين.
لقد تغنى مطربي البحرين بشعر وبنبضات قلب شاعر البحرين علي عبدالله خليفة العاشق للبحرين والمتماهي في عشق المحرق وأهل المحرق التي كل إنسان فيها هو “عبيد” الذي شد الوطن به رأسه والذي هو متراس الوطن ودرعه الواقي الذي يتصدى لكل عدو للوطن.. لذلك قال علي خليفة ” انا ما اسكن محرق..محرق هي اللي تسكني “..
علي عبدالله خليفة كيف نرثيك وانت الوطن في أبهى حالاته.. بحلوه ومره.. وببريقه وبوقوفه شامخا بعد كل عثرة وبعد كل امتحان.. كيف نرثيك يا علي عبدالله خليفة وانت متماهي مع هواء الوطن نراك حيث نرى السواعد السمراء تحفر في الصخر ليتدفق الماء العذب من اعماق الأرض ليروي النخيل المنتصبة والتي تظل شامخة حتى بعد الموت.. كيف نرثيك يا علي عبدالله خليفة ؟ وكيف يرثى الإنسان نفسه عندما يكون عصيا على الموت لأنه الغائب الحاضر الذي يرافق وقوفنا في وجه التحديات. وتجربة الموت الجسدي لا تعني الغياب فانت حاضر في الذاكرة الجمعية للوطن.. نحن لا نرثيك.. ولكن قد نرثي أنفسنا ونتساءل كيف يمكن للوطن ان يملاء الفراغ الذي خلفه رحيلك المفاجئ؟؟؟
د. هدى المطاوعة/البحرين في 22 يونيو 2026